تنشأ التجمعات البشرية من خلال آليات العيش المشترك تحت مظلة وحماية الدولة، وبشراكة الناس وتعاونهم، وذلك بالرغم من الاختلافات مهما كان نوعها، وذلك ارتباطا بحركة تاريخ الناس في المكان والزمان، وفي تقاطع تام مع تاريخ الأوهام، لكن المشكل أن الذين يعلنون أنفسهم خارج سياق هذا المنطق وأنهم مع وحدة المجتمع وتعايشهم هم في الحقيقة لا يفعلون شيئا آخر غير تكريس النزعات بكل تلويناتها واتجاهاتها الفكرية والسياسية.. مع علمهم أن الوطن لا يحتمل ولا يطيق منافسة تلك التقسيمات له، والتي إذا ما استحكمت حلت محله، وربما ألغته في الفكر والوجدان، لتشيِّد عالمها الخاص مكانه في هيئة شعارات وصراعات عقيمة وصراعات مفتعلة.
إن أمثال هؤلاء يشكلون خطرا حقيقيا على الناس، بل هم أخطر على الوطن من أي أمر آخر. فلا مجال، والحالة هذه، لأية حلول تخترع توازنات وهمية تخفي جوهرها الآيديولوجي، فمهما أطلق هؤلاء الساعون إلى تعميق التقسيم بين الناس على نفسهم من مسميات إسلامية أو قومية أو يسارية أو ليبرالية، فهم في النهاية يرفضون فكرة التعايش واعتبار التنوع مصدر غنى للمجتمعات، كما يرفضون عمليا البديل الديمقراطي الحقيقي الذي جوهره القبول بالتعددية الفكرية والسياسية المنظمة بالقانون. لذلك فإن الوعي بمخاطر هذه النزعات التقسيمية للمجتمعات بفكرها ومنطقها وآليات عملها، لا يكفي وحده لتحييد مخاطرها في الحاضر والمستقبل، لذلك فمن الواجب بذل كل جهد فكري وثقافي وتشريعي لمنع انتقال تأثير هذه النزعات التي تقسم المجتمعات إلى عقول الناشئة، ودعوة المغردين خارج قيم وفكرة المواطنة المتساوية، أن يكفوا عن اللعب بالنار، لأن الخيار بين هذه النزعات ووحدة الناس هو بالضبط الخيار بين الوجود والعدم. ولذلك فإن البحث خارج منطق هذا الخطاب يقود بالضرورة إلى التعلق ببنية الخطاب العقلاني والوطني المناهض للخطاب التقسيمي الزاحف بقوة في اللغة والسياسة والإعلام والفكر، لأن هذا المنطق ليس مجرد فسحة كلامية أو حالة مرضية عارضة، بل يعي بالضبط ما يريد، ويعلن عن نفسه سعيا للحلول محل الوطن واحتوائه وإضفاء صفاته وخصائصه عليه.
*كاتب وإعلامي بحريني