في العقد الأخير من القرن العشرين شاع تعبير اللبننة في العالم كتعبير عن حالة تناسل الحروب الداخلية وعدم الاستقرار، وقد ضج العالم بأزمات هذا البلد الصغير المتناسلة كأن يقال على سبيل المثال “دخل هذا البلد أو ذاك، حالة اللبننة”، كدليل على وصوله إلى الحرب الأهلية والأزمات الداخلية المتناسلة. قبل هذا التعبير، كان قد شاع في العالم تعبير القبرصة، كدليل على التقسيم أو التقاسم، وكما هو معروف فإن جزيرة قبرص في البحر الأبيض المتوسط، هي في واقع تقسيم الآن بين جمهوريتين، قبرص التركية وقبرص اليونانية، نتيجة التنازع بين البلدين عليها منذ فترة طويلة انتهت بتقسيم الجزيرة إلى جمهوريتين، بعد أن أقدمت تركيا سنة 1974 على الاستيلاء على الجزء الشمالي من جمهورية قبرص ردًا على الانقلاب العسكري الذي حدث في الجزيرة لضمها إلى اليونان.
لبنان تجاوز حالة الحرب الأهلية عام 1990 مع التوصل إلى اتفاق الطائف في المملكة العربية السعودية برعاية عربية ودولية. الانتخابات النيابية الأخيرة في لبنان جرت في مايو من العام 2022، وأسفرت عن نتيجة مربكة حيث ضاعت في هذه النتيجة الأكثرية والأقلية، وتوزعت القوى في المجلس الحالي على قوى وتكتلات متعددة، وتحول مجلس النواب إلى أرخبيل من القوى والتجمعات السياسية المتنافرة. هذه الحالة أو النتيجة أربكت الحياة السياسية في لبنان فوق ما هي مربكة، فلم يعد أي طرف في عينه يملك القول ويتحكم بالأكثرية وقادرا على إيصال من يريد إلى المسؤولية إن في رئاسة الجمهورية أو رئاسة الحكومة، ولهذه الأسباب بات الوصول إلى قرار في لبنان من أصعب الأمور، بسبب توزع القوى في مجلس النواب على كل الأطراف، ولهذه الأسباب أصبح مستحيلا انتخاب رئيس للجمهورية أو اختيار رئيس للحكومة إلا عن طريق التوافق أو التحالفات الواسعة لتكوين أكثرية مقررة، وليس عن طريق الانتخاب، ما يعني استمرار الأزمات من دون حل، وهذا ما يجري الآن في موضوع انتخاب رئيس للجمهورية فما من طرف يملك الأكثرية بمفرده لانتخابه.
الأوضاع الحالية التي تعيشها فرنسا شبيهة بأوضاع لبنان، إذ إن الانتخابات النيابية الأخيرة لم تعط لأي طرف فرنسي الأكثرية داخل مجلس النواب الفرنسي، وهي التي باتت موزعة على أكثر من تجمع وحزب.
فرنسا الآن في أزمة، إذ إن الانتخابات النيابية الفرنسية الأخيرة أشارت إلى تقدم صفوف اليسار والتحالف اليساري من دون أن تعطيه الأكثرية المطلقة في المجلس.
لهذه الأسباب فرنسا في مشكلة والمشاورات التي انطلق بها إيمانويل ماكرون لاختيار رئيس جديد للحكومة، لا يبدو أنها ستكون ميسرة وسط تفاقم الخلافات الداخلية.
فهل تدخل فرنسا في حالة لبنان الراهنة من العجز عن اتخاذ القرار في مجلس النواب وتنتقل فرنسا إلى حالة اللبننة النيابية اللبنانية؟.
*كاتب وأستاذ جامعي من لبنان