العدد 5701
الجمعة 24 مايو 2024
banner
سرديات المقاومة وتسليع الحريات
الجمعة 24 مايو 2024

مجموعة من المقالات، يتصدرها كتاب للمفكر المصري نبيل عبدالفتاح، يحمل عنوان "المقاومة والحرية"، غزة وسردية البطولة والإبادة، ما إن صدر الكتاب عن دار مريت حتى بادرنا المؤلف بسلسلة مقالات عن "الحرية والفوضى والرقابة الرقمية"، ثم عن تسليع الحرية في الأسواق الرقمية، وأخيرًا عدة مقالات عن الكاتب والفيلسوف عبدالفتاح، إحداها لأسامة سلامة حول المقاومة والحرية "أسئلة ما بعد الحرب على غزة"، ثم تدوين بين "سردية البطولة والإبادة في غزة" للكاتب إيهاب الملاح، وعلى عهدة "بوابة الشروق"، وبدأ الجدل الواسع حول المؤلف ومؤلفاته، وعن المتتبع وخطواته، بل وعن الحرب الإلكترونية التي بدأت في شن هجماتها السيبرانية منذ السابع من أكتوبر الماضي.

الخلط بين العلم والحرب، بين الإبادة والتقدم التكنولوجي، ثم بين ما كان يسمى بحرب النجوم، إلى حرب الخيال العلمي الخصيب، كل ذلك أوحى لي شخصيًا بأن ما يدور في قطاع غزة منذ "طوفان الأقصى" لم يكن عدوانًا من جيش على أرض، ولا من عصابة مسلحة على قافلة في الصحراء، ولا من قراصنة في أعالي البحار على سفن وديعة آمنة، لكنها حرب نجوم من نوع جديد، إبادة إلكترونية على طريقة تذويب الآدميين في صفائح الجير المغلي، كل شيء قابل للزوال في ثوانٍ معدودات، للاختفاء بين طرفة عينٍ وانتباهتها. نبيل عبدالفتاح يؤرخ للكارثة الإنسانية في قطاع غزة من زاوية تخلفنا العلمي الحضاري، ومن بوابة تقدمهم العلمي واللاحضاري، نبيل يأخذ بالأسباب ويمشي في كتابه التاريخي على خُطا "المتصوفين الجدد"، جميعهم يسعى للتوحد مع المجهول، نعم مع المجهول، ولا يسعى لطمس الأحداث مثلما تفعل الـ "سي إن إن" أو الـ "بي بي سي" أو الفرنسية 24، أو غيرها من القنوات التي تساوي بين الضحية والجلاد، بين محكمة العدل الدولية و"الجنائية الدولية". 

وتصريحات بايدن ووزير خارجيته المخزية بعد إصدار مذكرة توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه وكل المسؤولين عن الإبادة الجماعية لأهلنا في قطاع غزة، ودفعهم بالقوة نحو التهجير القسري، والتشريد بالترهيب.

"المقاومة والحرية" في نظر نبيل عبدالفتاح ليست تلك التي يحكي عنها أصدقاء أدونيس في فرنسا، ولا أرباب السوابق أحفاد بوشكين ورفاقه، أو هتلر والمهاتما غاندي، أو حتى بين أحدب نوتردام والسيدة العجوز.

كل شيء كان يمكن أن يمر بسلام، لولا أن هذا الكتاب قد صدر في ظرف تاريخي متزامن مع القمة العربية في المنامة، بل ومع الحالة الميئوس منها لهدنة مؤقتة في غزة، لذا فإنه - وعلى سبيل التقديم - فإن إطلاق رصاصة الرحمة على أحداث ترفض الجلوس على جانبي الطريق كان بمثابة ورد السيوف الحديدية مثلما يرى مؤرخنا الفيلسوف، هي الحرب المأساوية، وهي انفجار بعض السرديات والحروب اللغوية والاصطلاحية المتصارعة في التوصيف، فليس قبل غزة وبعدها أي حرب بهذه الشراسة، وليس قبل نصف رفح ونصف الحرب بُدا من أن يتحول النصف الحلو من عملية السلام إلى نصف مُر.

في ثنايا المقدمة يدخل التفسير والتحليل في نظرية الاحتمالات والاحتمالات المضادة، كأنه الصقر الذي يلتهم فريسته وهو يهبط عليها بأقصى سرعة وأقل تكلفة، بأعنف تعاط وأنعم التقاط.

إنها الحياة وهي تفرض قانونها على حب البقاء، وهو الموت غير الرحيم، عندما تسيطر الأبجدية على أولويات الزمن السرمدي الرهيب، الباحثون والصحافيون والإعلاميون في إسرائيل والمنطقة العربية والعالم، بل من الجموع الغفيرة على الحياة الرقمية، قاموا بما لا نحمد عقباه، انتشلوا جثث الشهداء ووضعوها بخفة يد متناهية على منصات التفاعل الرقمي، لم يهذبوا مناظرها، ولم يخفوا ملامحها، ولم يزيحوا من فوق الإطلاق أية آثار للدماء ولا الجثث المتناثرة، فقط وضعوها وأهانوها، ولم يقدموا لها القرابين مثلما أراد نبيل عبدالفتاح ومحبوه، أو مثلما أشاع بعض المقربين له بأنه يسعى للتأريخ الإلكتروني الأول في حرب لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة.

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية