العدد 5690
الإثنين 13 مايو 2024
كتابة الاختلاف!
الإثنين 13 مايو 2024

 نطالع كتابات يكتبها أصحابها عن وقائع التاريخ بشكل لا يستقيم مع الوقائع الموثقة، ومع أن الكتابة بطبيعتها حق اختلاف وحق تدوين وتأليف ومقاربة وتأويل، حق كفلته البشرية منذ عهود بعيدة، لكن ماذا عندما ننشر وقائع على قدر كبير من الدقة بحيث يتعذر الاختلاف حولها وفيها: كأن تقول إن العرب أمة والحدود دول والشعوب شعب، فتجد من يرد: لا شعب ولا وطن ولا أمة ولا تاريخ ولا هم يحزنون؟ في هذه الحالة يرتقي الإنكار والتحريف والتزوير تحت تأثير الدوافع الشخصية والعصبية الآنية إلى مستوى الإجرام الذي يستهدف مستقبل الأجيال، وتشكّل ذاكراتها الوطنية والقومية وحتى الإنسانية، ولكم تقاتلت شعوب وأمم وقبائل بسبب الاختلاف في تأويل ماضيها الذي كان معلقا على الزيف والجوائح والحروب، منذ اللحظات الأولى لتدوينه.


ومع أن تزييف التاريخ ليس حالة شاذة أو انحرافا نادرا، بل هو حرفة دأبت البشرية على توارثها تماما مثل صك النقود ورسم الخرائط والمصنفات المبنية على الوهم والإنكار، فإن المؤلم في هذا هو انخراط بعض المثقفين، (عن وعي أو عن غير وعي)، في مخطّط التحريف والانتحال، تارة باسم حرية النصّ، وأخرى باسم الحق في نقد النصوص والتعليق عليها ومقاربتها، وثالثة بالسكوت عن الحقائق وتعمد تهميشها، حتى لكأنها لم تكن.

صحيح أن المعارك الآيديولوجية شأن إنساني لا فكاك منه، إلا أنها قد تقود إلى رغبة معلنة في الموت الجماعي، طالما أن هناك من يمعن في محو التاريخ بالتزييف والإنكار، مع أن قيمة السرديات - وإن اختلفت - لا تكمن فقط، في تأكيدها على قدسية الحق في الاختلاف، بل في القدرة على عدم جعل هذا الحق عائقا أمام فوز الإنسان بحقوق لا معنى للحياة من دونها، مثل الحرية والكرامة والمساواة في الإنسانية.

كما أن التأكيد على حق الاختلاف وحده، من دون تحديد أفق وأدوات هذا الاختلاف، يدفع بالضرورة إلى الشكّ في سلامة الأهداف.

ولنضرب مثلا واحدا على ذلك بتحوّل البعض من مختصين في الدفاع عن الحق في الاختلاف، إلى محاكمة نوايا الآخرين حول هوامش اختلافهم، والحط من منزلتهم الإنسانية بصبغ ونعوت، لمجرد أنهم اختلفوا معهم في المقاربة والتأويل. وتلك مشكلة تشوه معنى الحق في كتابة الاختلاف الذي يفترض أن يقود إلى ثراء تعدد الزوايا في البحث عن الحق والعمل بالعدل.


كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية