لا يزال من المبكر فتح دفاتر الربح والخسارة للحرب التي لا تزال مندلعة في غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي، والسبب في هذا الاستنتاج أنه ما من أمر يؤكد قرب توقف هذه الحرب وانتهاء أعمالها. إسرائيل، تعتبرها معركة حياة أو موت، وهي ستقاتل كما أخبر بنيامين نتنياهو حليفه الرئيس الأميركي جو بايدن بأظافرها. وكذلك المقاومة الفلسطينية التي تراها معركة حياة لا رجعة فيها إلى الماضي، بعد أن عاشت الموت والظلم والتشرد والإهمال طوال 75 سنة منصرمة. الهدنة المؤقتة، ما من أحد قادر على التكهن بها حتى الآن، في ظل سيطرة جنون التطرف الإسرائيلي والرفض للأمر الواقع والحقائق والحقوق، ما تحقق حتى الآن كثير وبشكل مؤكد أكثر من أي أمر في الوقت عينه، وأكثر مما كان متوقعا.
أولها: أن نظرية إسرائيل “الوطن الآمن والمنيع في العالم لليهود” سقطت أكثر من مرة، وآخرها السقطة المدوية الكبرى نتيجة عملية طوفان الأقصى، أي أنها سقطت مع سقوط الجدار الأمني الإلكتروني الآمن حول غلاف غزة. فقد استطاع بضعة مئات من مقاتلي حماس البدائيين، نسبة إلى تطور التقانة الإسرائيلية، واستنادا إلى ألعاب وخدع حربية بسيطة إسقاط أسطورة الجدار الإلكتروني الأمني الأكثر حداثة في العالم. ثانيها: بدأت صورة إسرائيل المظلومة، واحة التقدم والحامية للحريات وحقوق الإنسان بالتحطم والتلاشي في عيون شابات وشباب العالم، نتيجة احتجاجات طلاب الجامعات الأميركية انطلاقا من جامعة كولومبيا التي تحوي وتعلم طالبات وطلاب ورجال المستقبل في أميركا. ثالثها: أن القضية الفلسطينية، التي اعتقدها كثر في طريق التبخر والتلاشي والاختفاء والاندثار عادت إلى الطاولة، أي طاولة كانت أو ستكون هنا أو هناك، في واشنطن أو في القدس، أو الأمم المتحدة، أي إلى طاولة المفاوضات والقرار في العالم، بغض النظر ما إذا كانت حماس متقدمة أو متراجعة.
لقد خسرت إسرائيل أسطورة ووهم الأمان، والاستقرار، التي كانت بالنسبة للحركة الصهيونية مبرر مشروعها في فلسطين. كما خسرت احترام وتعاطف جيل الشباب في أميركا والبعض من أوروبا، وليس جيل الكهول كما في الماضي، أي أنها خسرت جيل المستقبل.
في المقابل، عاد فتيان الحجارة والمقاليع، بالرغم من الأثمان البشرية والإنسانية الباهظة، إلى الصفوف المتقدمة حيث عادت قضية فلسطين إلى صدارة قضايا العالم في الكرة الأرضية، وعلى جدول أعمال البشرية المطلوب بحثها واتخاذ القرار بشأنها.
*كاتب وأستاذ جامعي من لبنان