العدد 5633
الأحد 17 مارس 2024
مساعدات غزة.. أسئلة وعلامات استفهام
الأحد 17 مارس 2024

قبل أيام ضجت وسائل الإعلام اللبنانية من تلفزيونات وصحف ومواقع تواصل اجتماعي بصور أظهرت أن ما قيل عن مساعدات أميركية وغربية تم رميها من الجو عبر المظلات إلى السكان في قطاع غزة، تضمنت في قسم كبير منها حوائج وأغراضا غريبة.. منها على سبيل المثال أطعمة للحيوانات، أي أطعمة للقطط والكلاب، إلا أن أغرب ما تضمنته هذه الرزم المرمية من الطائرات صناديق كرتون فيها أكياس نايلون مضبوطة ومختومة تحتوي على أحذية والكثير من ما يسمى "شبشب" باللهجة المصرية أو "شحاطات بلاستيك" باللهجة اللبنانية. نعم صدق أو لا تصدق، وقد حملت الرياح التي تتجه في أغلبها في البحر الأبيض المتوسط جهة المشرق العربي من الجنوب إلى الشمال المظلات ودفعتها إلى شواطئ مدينة صور التي تأتي كأول مدينة ساحلية لبنانية شمال شاطئ غزة مباشرة.. ومع انتشار مراكب صيد السمك في مياه المنطقة عثر الصيادون على كميات من هذه الرزم المُهينة والغريبة من المساعدات.

هذا التطور، لم يحجب الضجة الإعلامية والدعائية العالمية حول إقدام الولايات المتحدة بقرار من الرئيس بايدن على إقامة رصيف على شاطئ غزة لإدخال المساعدات للسكان المحاصرين الذين يموتون جوعا، بدل فتح المعابر البرية وإدخال اللازم من المساعدات والأغذية إلى سكان القطاع.

لكن هذا المشروع المقام تحت يافطة كسر وفك الحصار، ومساعدة الأهالي المحاصرين، يحمل حسب الصحف الإسرائيلية أهدافا لخدمة مصالح أميركيّة وإسرائيلية متعدّدة، تصبّ جميعها في خانة إقصاء حركة حماس عن حكم قطاع غزة. صحيفة "جيروزاليم بوست الإسرائيلية كشفت بعد أربعة أيّام من إعلان الرئيس الأميركي عن المشروع، أنّ بايدن يطبّق فكرة طرحها بنيامين نتنياهو في أوّل أسبوعين من الحرب. وبمجرّد فتح الممر البحري، ستكون إسرائيل قد أمّنت آليّة بديلة عن "معبر رفح المصري" لإدخال المساعدات الدوليّة إلى القطاع المُحاصر، وهذا ما يتيح لها بدء الهجوم على مدينة رفح وإقفال المعبر من دون قطع الغذاء بشكل كامل عن جنوب ووسط القطاع.


سيؤدّي استبدال معبر رفح البري بالميناء البحري المؤقّت إلى قطع آخر وسيلة اتصال لا تمرّ بإسرائيل بين قطاع غزّة والعالم.


سيكون بإمكان الإسرائيليين تفتيش السفن والمساعدات في موانئ قبرص قبل شحنها إلى الميناء المؤقّت الذي سيسيطر عليه الإسرائيليون أيضاً.


توقعت صحيفة "هآرتس" أنّه بغياب شريك فلسطيني مستعد لتولّي هذه المسؤوليّة، سيقوم الجيش الإسرائيلي بالإشراف على تفتيش المساعدات الواردة وتوزيعها من الميناء. وهذا ما سيشكّل إحدى أدوات تطبيع سيطرة الاحتلال على غزّة على المدى البعيد في مرحلة "ما بعد حماس" حسب التفكير الأميركي الإسرائيلي، تمامًا كما يطالب نتنياهو منذ البداية.


حين تمسك إسرائيل مباشرة وميدانيًا بمصدر الغذاء الوحيد، ستملك بيدها ورقة تحديد هويّة الإدارة المدنيّة في القطاع في المستقبل. كما ستحدد إسرائيل بنفسها الأطراف المحليّة التي ستصل إليها المساعدات والسلع المستوردة، في كل منطقة داخل القطاع.


في هذه الخطوات الاستعراضية يحاول الرئيس بايدن استمالة الكتلة الناخبة العربيّة ضد منافسه ترامب، بعد كل الدعم الذي قدّمه للجيش الإسرائيلي منذ بداية الحرب. وفي سبيل ذلك، سيستخدم ورقة المرفأ العائم للإيحاء بأنّه قدّم مبادرة لتحسين الظروف الإنسانيّة في القطاع.


الميناء المقترح يزيد من قبضة إسرائيل على الفلسطينيين، يخدم سياسة نتنياهو في استكمال الحرب للقضاء على حماس واقتحام رفح المكتظة بالسكان المدنيين الهاربين المكدسين والمختنقين، يخفف من الإحراج على بايدن المرشح الذي يبحث عن الأصوات العربية، ويضاعف إمكانية السيطرة على ما تبقى من سكان القطاع، لكنه لا يحل مشكلة حقوق الشعب الفلسطيني.


كاتب وأستاذ جامعي من لبنان

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .