العدد 5577
الأحد 21 يناير 2024
الاقتصاد الأبيض (The White Economy)
الأحد 21 يناير 2024

مؤخرًا، كثر الحديث عن أنواع من الاقتصادات الجديدة غير التقليدية، أو المعهودة مثل الاقتصاد الرأسمالي، أو الاقتصاد الشيوعي. فبتنا نطالع تعريفات تتناول “الاقتصاد الأزرق” و ”الاقتصاد البرتقالي”، وأخيرًا “الاقتصاد الأبيض”. ولسوء الحظ، يعاني تعريف هذا الاقتصاد الأخير مما يمكن وصفه بـ “بالخلط”، الذي يصل إلى حد الغموض، واحيانًا الالتباس. فقد وجدنا البعض يخلط، من غير قصد، بين “الاقتصاد الأبيض” و ”الاقتصاد الأبيض المسطح”،  (The Flat White Economy). وسوف يتناول حديثنا اليوم قطاع الاقتصاد الأبيض الذي يغطي تعريفه “ جميع الأنشطة الاقتصادية المتعلقة بقطاع الرعاية الصحية. وهذا يشمل كل شيء من إنتاج وأبحاث الأدوية والأجهزة الطبية، إلى تقديم خدمات الرعاية الصحية من قبل المستشفيات والعيادات والمهنيين الأفراد. ويشمل، أيضا، كل الجوانب العامة والخاصة لنظام الرعاية الصحية”.
و قد يفاجأ البعض منا بأرقام هذا الإقتصاد الأبيض الضخمة. وهذا يعود إلى حجم موازنات ونسبة قطاع الرعاية الصحية في الاقتصاد العالمي، التي أصبحت اليوم كبيرة، وتشهد نموًا متزايدًا. إذ بلغت قيمة سوق الرعاية الصحية العالمية في العام 2020 حوالى 8.4 تريليون دولار أميركي، مما يجعلها تشكل 10.5 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي المقدر بـ 80.9 تريليون دولار أميركي، في تلك الفترة. ومن المتوقع أن تستمر هذه النسبة في النمو مع زيادة الطلب على الرعاية الصحية والتقدم التكنولوجي الذي يدفع السوق نحو هذا النمو. وتختلف قيمة قطاع الرعاية الصحية، ومعها الاقتصاد الأبيض بهذا المعنى، اختلافا كبيرا حسب البلد. ومع ذلك ، فإنه يعتبر عموما مساهما رئيسيا في الاقتصاد العالمي. فعلى المستوى العالمي، من المتوقع أن تصل قيمته إلى 11.4 تريليون دولار بحلول العام 2025. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وحدها، يقدر تقرير البنك الدولي عن الآفاق الاقتصادية “أن الإنفاق على الرعاية الصحية في هذه المنطقة بلغ حوالي 6 % من إجمالي الناتج المحلي لها  في العام 2022، مع وجود تباين كبير بين البلدان”.
لكن مقارنة بإجمالي الناتج المحلي للمنطقة في العام 2022، البالغ حوالي 6.3 تريليون دولار أميركي، تصل قيمة الإنفاق على الرعاية الصحية حوالي 378 مليار دولار أميركي.
 (اقرأ المقال كاملا بالموقع الإلكتروني) 
واليوم  تحول هذا القطاع إلى قطاعٍ اقتصاديٍ ضخمٍ ومتنامٍ، فهو أحد القطاعات الصناعية التي لا تتوقف أبدا عن النمو والتوسع، حتى في أوقات الأزمات مثل الفترة 2008 - 2015، عندما ظلت القيمة المضافة الإجمالية للاقتصاد الإيطالي دون تغيير بشكل أساسي، في حين زادت القيمة المضافة للاقتصاد الأبيض بنسبة 14.3 %. وخلال الفترة نفسها، انخفض التوظيف في إيطاليا بنسبة 9.2 %، بينما ارتفع في قطاع الصحة بنسبة 3.35%.
وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ( MENA)، تشهد المنطقة، التي تضم مجموعة متنوعة من الاقتصادات، ومن بينها دول الخليج الغنية بالنفط، توجهًا ملموسًا نحو زيادة حصة الاستثمارات وتنوعها في قطاع “الاقتصاد الأبيض”، بسبب الاختلافات في الموارد ومستويات التنمية.
ولو عرضنا أرقام الفترة 2020-2022 بقيمة “الدولار الأميركي” سنجدها على النحو التالي:
في دولة الإمارات ارتفعت حصة نسبة الإنفاق على الاقتصاد الأبيض خلال تلك الفترة على النحو التالي من 5.9 % إلى 6.2 %. من الدخل القومي الذي ارتفع خلال الفترة ذاتها من 354.3 مليار، إلى 405.6 مليار.
وفي مصر ارتفعت النسب للفترة ذاتها من 4.2 % إلى 4.5 %، من دخل قومي ارتفع من  361.4 مليار، إلى  404.1  مليار، خلال الفترة ذاتها.
أما في السعودية فجاء الارتفاع من 5.5 % إلى 6.0 %، ومن دخل قومي ارتفع من  700.1 مليار، إلى 833.5 مليار.
وفي قطر ارتفعت من 6.5 % إلى 7.0 %، من دخل قومي ارتفع خلال الفترة ذاتها من 146.3 مليار إلى 165.6 مليار.
وفي المغرب ارتفعت النسبة ذاتها من 5.2 % إلى 5.5 %،  من دخل قومي ارتفع من 112.9 مليار ، إلى 130.4 مليار، خلال الفترة ذاتها.
ويعود ذلك الإهتمام بهذا الاقتصاد في هذه المنطقة للأسباب التالية: 
• قطاع النفط والغاز: بالنسبة للعديد من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي، يشكل قطاع النفط والغاز جزءًا كبيراً من الاقتصاد الأبيض. يتم تنظيم هذا القطاع بشكل جيد بشكل عام، كي يساهم بشكل متواصل في حصة الاقتصاد الأبيض لهذه البلدان.
• جهود التنويع: إدراكاً لمخاطر الاعتماد المفرط على النفط، تحاول العديد من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنشاط تنويع اقتصاداتها. ويجري تطوير قطاعات مثل السياحة والتمويل والعقارات والطاقة المتجددة، يتقدمها الاقتصاد الأبيض كجزء من الاقتصاد الرسمي.
• الاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا: هناك استثمارات كبيرة في البنية التحتية والتكنولوجيا في العديد من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بهدف تعزيز الاقتصاد الأبيض، ويشمل ذلك مشاريع المدن الذكية، وشبكات النقل، وتطوير الاقتصادات الرقمية.
• تحديات التنويع والتوظيف: على الرغم من جهود التنويع، لا تزال العديد من دول المنطقة تواجه تحديات في تقليل اعتمادها على النفط وخلق فرص عمل كافية، خاصة للشباب والسكان المتزايدين.
• الإصلاحات والانفتاح الاقتصادي: نفذت العديد من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إصلاحات لجذب الاستثمار الأجنبي، وتحسين مناخ الأعمال، وتشجيع نمو القطاع الخاص. ويشمل ذلك الحد من العقبات البيروقراطية، وتحسين الأطر القانونية، وتحرير قطاعات معينة، وشمل ذلك منتجات وخدمات يقدمها الاقتصاد الأبيض.
• تنمية الشركات الصغيرة والمتوسطة: هناك تركيز متزايد على تنمية الشركات الصغيرة والمتوسطة لأنها تلعب دوراً حاسماً في التنويع الاقتصادي والابتكار والتوظيف.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية