العدد 5570
الأحد 14 يناير 2024
حرب غزة 2023 في توازنات النظام العالمي الجديد ومرتكزات اقتصاده (4-4)
الأحد 14 يناير 2024

لقد استمرت حرب غزة 2023 فترة أطول مما توقعته لها استقراءات المحللين والخبراء السياسيين. وكانت تأثيرات هذه الحرب أشد وضوحا على المشهد العالمي. لكن مع تسارع وتيرة الصراع العسكرية، بدأت تلوح في الأفق مؤشرات تؤكد أن تداعيات حرب غزة 2023، ستلقي بظلالها على الأوضاع في البلدان العربية المجاورة لها، بما فيها السلطة الفلسطينية.


فمن الطبيعي أن تجد الدول العربية والسلطة الفلسطينية، على وجه الخصوص، صعوبات متصاعدة تتحدى قدرتهم على الحفاظ على مواقفهم السياسية القائمة، التي سمرتهم على مقاعد المشارك الشكلي الخجول في الصدامات العسكرية القائمة والمتصاعدة في آن.


ويمكن استقراء التحولات التي يحتمل أن يتركها تفاقم حرب غزة 2023، على الواقع العربي، بما في ذلك أراضي السلطة الفلسطينية على النحو التالي:


فلسطينيًا، لعل أقرب تحول منظور في الأوضاع القائمة هو ما حذرت منه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية “من أنّ الأوضاع في الضفة الغربية ومدنها على شفا الانفجار، وقد تؤول الأمور إلى جبهة إضافية، سيكون على إسرائيل التعامل معها بقوة كبيرة... وقد ينتهي بنا الأمر إلى انتفاضة ثالثة بسبب حالة الاحتقان الناجمة عن الضائقة الاقتصادية وعدم إدخال العمال (الفلسطينيين) إلى إسرائيل”. جاء ذلك التحذير على لسان رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال هرتسي هليفي، وعدد آخر من كبار الضباط الصهاينة.


في حال صدق تلك التحذيرات، فمن الطبيعي أن تواجه السلطة الفلسطينية، على المدى القصير، ضغوطًا متزايدة من مواطني الضفة تدعو لاتخاذ مواقف أكثر حزمًا ضد إسرائيل، ومعالجة الأزمة الإنسانية في غزة. وعلى المدى الطويل، قد يؤدي الصراع إلى إعادة تقييم نهج السلطة الفلسطينية في المفاوضات، والدبلوماسية التي تنهجها.


والتأثير على السلطة الفلسطينية، هو أمر منطقي، تولده طبيعة الصراع المتفاقمة الذي يمكن أن يشكل تحديا لقدراتها على الاستمرار في الإمساك بتلابيب الحكم. إذ قد تواجه السلطة ضغوطًا متزايدة من سكانها، ومن الجهات الدولية الفاعلة المنخرطة في مشاورات السلام، ما قد يؤدي إلى تغييرات جذرية في سياساتها الداخلية، وعلى وجه الخصوص موقفها من المعارك العسكرية المتصاعدة.


ومن المنطقي أن تتسرب انعكاسات حرب غزة 2023 على المسارات الدبلوماسية، إذ يمكن لطبيعة الصراع ونتائجه أن تخلق فرصا جديدة مواتية لجهود السلام، أو على العكس من ذلك تمامًا، عندما تتحول إلى انتكاسة فاجعة، تصادر جهود سنوات، وتضحيات عقود من الزمان.


كل ذلك يعتمد على كيفية تطور الصراع والنتائج التي يفرضها على أرض الواقع الفلسطيني. على نحو مواز أيضا، من المتوقع مشاهدة زيادة من عدم الاستقرار الإقليمي. فمن غير المستبعد أن يواجه العالم العربي، تناميا، هو الآخر منطقي، في القلاقل ممزوجا بتفاقم التجاذبات والتوترات الداخلية القائمة.


وبالقدر ذاته يمكن أن تقود معارك غزة إلى مزيد من الاستقطاب بين الدول العربية؛ اعتمادًا على مواقف كل منها من الصراع والمسافة التي تفصلها عنه.


وقد يؤول ذلك إلى تحولات في علاقات الدول العربية الدبلوماسية إقليميا وعالميا. فقد يعزز البعض العلاقات مع الحلفاء الذين يشاركونهم وجهات نظر مماثلة بشأن الصراع. في حين قد يسعى آخرون إلى تحالفات جديدة. كل ذلك رهن بآليات تطور ما يدور على أرض غزة من صدامات متصاعدة، وما يفرزه من حقائق على أرض الواقع.


ومن الطبيعي أن يقود استمرار حرب غزة إلى عدم استقرار سياسي في الدول العربية حيث تواجه الحكومات ضغوطا داخلية للاستجابة للصراع والتفاعل الإيجابي معه. وهذا يمكن أن يؤدي إلى زيادة الاستقطاب السياسي القائم. وقد يتصاعد ذلك الصراع، إذا طال أمده، كي يتحول إلى تغييرات في القيادة أو الأنظمة السياسية في بعض الدول العربية، حيث يطالب الجمهور باستجابات أكثر فعالية للتحديات الأمنية الإقليمية التي ولدتها حرب غزة.


كما يمكن أن تدفع زيادة التوترات نحو المزيد من التصعيد العسكري في المنطقة. هذا بدوره يؤدي إلى زيادة في الإنفاق العسكري وجهود التحديث في الدول العربية في سعيها لتعزيز قدراتها الدفاعية.


باختصار، تنذر ساحة غزة بحرب بحوزتها القدرة على تغيير المشهد السياسي في العالم العربي والسلطة الفلسطينية بشكل كبير. ومن الأهمية بمكان أن تعمل جميع الأطراف المعنية؛ من أجل التوصل إلى حل إنساني عادل للقضية الفلسطينية يحول دون المزيد من التصعيد والعواقب المحتملة التي قد تترتب عليه.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .