العدد 5556
الأحد 31 ديسمبر 2023
حرب غزة 2023 في توازنات النظام العالمي الجديد ومرتكزات اقتصاده (2 - 4)
الأحد 31 ديسمبر 2023

أكثر ما يخشاه المحللون الاقتصاديون، المتابعون لاحتمالات تطور معارك حرب غزة 2023 واستمرارها، هو اتساع نطاقها ليشمل دولا أخرى في منطقة الشرق الأوسط؛ فتصبح صدماتها الفعلية أشد إيلامًا في الإطار الاقتصادي. 
هذا ما كشف عنه مقال تحليلي نشرته صحيفة “The New York Times” الأميركية، أشارت فيه إلى “المخاوف من احتمال تحول الصراع بين إسرائيل وحماس في غزة، إلى صراع إقليمي، أمر يلقي بظلاله على آفاق الاقتصاد العالمي، ويهدد بإضعاف النمو الاقتصادي، وإعادة إشعال أسعار الطاقة والغذاء”. 
في السياق ذاته، حذر مدير مركز سياسة الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا جيسون بوردوف من كون مسار الصدام العسكري يفرز “وضعًا متقلبًا للغاية وغير مؤكد ومخيف”. ولكنه أضاف “هناك اعتراف بين معظم الأطراف، من بينها الولايات المتحدة وأوروبا وإيران ودول الخليج، بأنه ليس من مصلحة أحد أن يتوسع هذا الصراع بشكل كبير خارج إسرائيل وغزة”.
وعلى نحو مماثل حذر كبير الاقتصاديين في “EY-Parthenon” غريغوري داكو، من أن “السيناريو الأسوأ هو الذي ينشأ من اتساع نطاق الحرب الذي قد يتسبب في ارتفاع أسعار النفط إلى 150 دولارًا للبرميل، من نحو 85 دولارًا حاليًا”. وحذر من أن “العواقب الاقتصادية العالمية لهذا السيناريو وخيمة”، مستشهدًا بـ “الركود المعتدل، وانخفاض أسعار الأسهم، وخسارة الاقتصاد العالمي بقيمة تريليوني دولار”.
لكن ذلك لا ينفي أو يستبعد المخاطر السلبية التي يولدها هذا الصدام على الاقتصاد العالمي، حتى إذ لم يتسع نطاقه، وظل محصورًا في الدائرة الإسرائيلية - الفلسطينية.
هذا ما يؤكده الخبير الاقتصادي، الأستاذ في جامعة برينستون، آدم كابور، في حديث له مع موقع فضائية “الحرة” ( https://www.alhurra.com/israel-hamas ) حين يقول “إنه مع دخول الحرب بين إسرائيل وحماس أسبوعها الرابع، فإن المخاطر على الاقتصاد العالمي تتزايد.. وإنه كلما طال أمد القتال، زادت فرصة تصاعده إلى صراع إقليمي له تداعيات على الأسواق المالية العالمية، مؤكدا أنه كلما زاد خطر التصعيد، زاد خطر انتقال العدوى إلى بقية العالم من حيث الاقتصاد والتمويل.. وإن مثل هذه العدوى ستؤدي إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية الموجودة، بما في ذلك ركود النمو والتضخم المرتفع وتراجع الأسواق العالمية وأسواق التجزئة”.
وينشر موقع “الحرة”، أيضا، نقلًا عن صحيفة الـ “فاينانشيال تايمز”، تحذيرات البنك الدولي “من الكلفة الباهظة للصراعات المسلحة التي اندلعت في الشرق الأوسط، والتي أحدثت صدمات الطاقة في الحروب الماضية”. فقد “أدى غزو العراق للكويت في العام 1990 إلى رفع متوسط أسعار النفط بعد ثلاثة أشهر بنسبة 105 %، كما رفعها الحظر النفطي العربي في الفترة 1973 - 1974 بنسبة 52 %”. 
وكما جاء في مقال نشره “منتدى الخليج الدولي” للدكتور أمود شكري (Dr. Umud Shokri) وهو خبير استراتيجي متميز في مجال الطاقة ومستشار في السياسة الخارجية، “ترى وكالة الطاقة الدولية أنه إذا استمر العنف، فإن أسواق النفط ستزداد تقلبًا”، وهذا ما يفسر “ترقب المتداولين في سوق الطاقة إمكانية انقطاع الإنتاج في الشرق الأوسط”.
وعلى نطاق أوسع، قد تؤثر التوترات التي خلقتها الحرب على مبادرات التجارة العالمية الأخيرة التي ربطت آسيا بالخليج وأوروبا، ما أدى إلى تقليل التعاون التجاري وتبادل المعلومات والتكنولوجيا، والروابط بالأسواق المالية بين الشرق والغرب.
ولن يقف الأمر عند أسواق الطاقة. هذا ما يحذر منه مدير تحليلات مخاطر السوق في شركة “State Street Corporation” في بوسطن، مو تشودري، في تصريحات خص بها محطة “CNBC” العربية، حين قال “المخاطر الجيوسياسية قد تؤدي إلى ابتعاد المستثمرين عن الأصول الأكثر خطورة إلى الأصول الأكثر أمانا، وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض عوائد الخزانة الأميركية لأكثر من عام واحد (بمعنى أن الطلب على سندات الخزانة الأميركية، التي تُعتبر عادةً من الأصول الآمنة، قد يزيد، مما يؤدي إلى انخفاض عائد هذه السندات)”.
ثم يمضي قائلًا “علاوة على ذلك، قد يتباطأ الناتج المحلي الإجمالي، بما يزيد من خطر حدوث ركود، وبالتالي قد يحث ذلك على تخفيضات محتملة في سعر الفائدة على الأموال الفدرالية أو تباطؤ التشديد الكمي”.
ولا يقتصر الأمر على أسواق الطاقة، فمن المتوقع أن تنعكس نتائج حرب غزة 2023 على حركة التجارة العالمية، اندلعت هذه الحرب، بتكاليفها الباهظة في وقت يعاني فيه العالم من ظروف في غاية الصعوبة، بحيث تشهد حركة التجارة العالمية تباطؤًا كبيرًا، لاسيّما في المناطق التي تكون معرّضة لحدوث خلل أمني.
وبالنسبة لمعدلات التضخم يتوقع تحليل صادر عن مصرف غولدمان أن “الحرب على غزة يمكن أن يكون لها تأثير كبير على النمو الاقتصادي والتضخم في منطقة اليورو ما لم يتم احتواء ضغوط أسعار الطاقة”.
وفي السياق ذاته، حذرت محللة الاقتصاد الأوروبي بالمصرف الاستثماري كاتيا فاشكينسكايا، في مذكرة بحثية يوم الأربعاء، من أن “الأعمال العدائية المستمرة ضد قطاع غزة يمكن أن تؤثر على الاقتصادات الأوروبية عبر انخفاض التجارة الإقليمية، وتشديد الظروف المالية، وارتفاع أسعار الطاقة وانخفاض ثقة المستهلك”.
وتلخص روبين رايت (Robin Wrigh)، الزميلة المتميزة في مركز (USIP-Wilson) وكاتبة عمود في مجلة نيويوركر (The New Yorker)، المشهد الاقتصادي العالمي الذي ولدته حرب غزة 2023 قائلة “لقد امتدت الحرب بين إسرائيل وحماس إلى الساحة العالمية. وقد تعمق الاستقطاب السياسي بعيدا عن الصراع. يواجه الاقتصاد العالمي - بما في ذلك أسعار النفط والمواد الغذائية - اضطرابا. ومن الناحية الجيوستراتيجية، قد تكون الصين واحدة من الفائزين القلائل. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت المخاطر”.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية