العدد 5551
الثلاثاء 26 ديسمبر 2023
فلسطين على بُعد قصيدة!
الثلاثاء 26 ديسمبر 2023

مازالت فلسطين وستظل ذلك الجرح الغائر في الضمير العربي المستكين، في الجسد الإقليمي المريض، وفي الروح الإنسانية مهيضة الجناح. لم يمر أكثر من 70 يومًا على "طوفان الأقصى" حتى خرج فلسطينيو الداخل بروايات، وحكايات، وقصائد، دُفن بعض أصحابها تحت القصف البربري، بينما أفلت من الهلاك البعض الآخر. رغم الحديث المستفيض للموتى، والحوار المتواصل مع الأنقاض، خرجت علينا أجهزة الإعلام العالمية قبل العربية، "الفرنسية 24" وفي ضيافتها أحد الشعراء الناجين من شعب غزة، تحدث الشاعر عن معاناته قبل الهروب، وعن أصدقائه الذين نالت منهم رصاصات وصواريخ العدو.
كان السؤال الرئيسي: ماذا قال زملاؤه قبل أن يدفنوا أحياء؟ ما هي كلماتهم التي قد تشبه كلمات "سبارتكوس الأخيرة؟"، "من قال لا في وجه من قالوا نعم؟ من علم الإنسان تمزيق العدم؟ من قال لا فلم يمت، وظل روحًا أبدية الألم؟"، ماذا قال شعراء غزة قبل الرحيل الكبير، وكيف يتذكرهم الذي فر من ثقب إبرة إلى القاهرة الأقرب إلى الجغرافيا والتاريخ والحالة الوجودية المستعصية؟
تحدث الرجل عن فلسطين التي مازالت على بُعد قصة، وفقًا لما كان يرويه على الهواء مباشرة للقناة الفرنسية، لكنه لم يفسر أية قصة، وأي بُعد ذلك الذي باتت فلسطين على مرمى حجر منه، كان طبيعيا أن يرد الشاعر الناجي من النيران واسمه مصعب أبوتوهة، وهو لقب قريب من آخر زميل ويدعى "أبوموتة"، ألقى الشاعر أبياتًا منثورة، وأخرى يغلب عليها السرد أكثر من البناء، وأسماها "فلسطين على بُعد قصيدة". استمعت للشاعر المقاوم، وتذكرت محمود درويش في محاولته رقم 7 وهو يتحدث عن "جانا" - سيدة أجنبية حاولت إغاثته في المهجر -: "آه جانا لم تكون مدني أو وطني أو زمني، كيف أوقف النهر الذي يجرفني، فلماذا تدخلين الآن جسمي لتصيري النهر أو سيدة النهر، لماذا تخرجين الآن من جسمي، ومن أجلك جددت الإقامة، فوق هذي الأرض.. جددت الإقامة". 
لم تضعف ذاكرتي إلى هذا الحد الذي يجعلني متعاطفًا مع شاعر أنقذته الأقدار، وآخر لم يفلت من العقاب ولم ينقذه الفرار، بين شاعر مازال في مقتبل الشعر، وآخر بلغ من الشعر مداه فأعطاه، تذكرت فلسطين وهي على بُعد قصيدة شاعر المقاومة توفيق زياد في قصيدته الرمضانية الشهيرة وهو يجلس في بيته على أضواء الشموع، خوفًا من القصف الإسرائيلي المروع، ليستمع إلى مدفع الإفطار وإلى صوت الشيخ محمد رفعت بإذاعة صوت العرب القاهرية، ليلقي على مسامع المسلمين أذان المغرب.
تذكرت شعر المقاومة الفلسطيني، الخالد، البهي، الحزين، الأبي، وكان على المنصة ذاتها سميح القاسم، ومعين بسيسو وفدوى طوقان ومريد البرغوثي وتميم البرغوثي وغيرهم، ودون إرادتي عقدت مقارنة بين فلسطين التي كانت على بُعد قصيدة بالأمس، وتلك التي أصبحت على بُعد مخلوقات أخرى بعد السابع من أكتوبر الماضي.
حزنت ولم أخف حزني حتى جاءني الزميل المفكر الدكتور نبيل عبدالفتاح بمقال طويل عريض لديوان شعري من غزة، يحمل عنوانًا وثيرًا: ماذا قالت غزة؟ وتمعنت في المقال وسافرت معه في تحليلات بنيوية ودنيوية وتفكيكية هائلة، لعلني أعثر على ضالتي المنشودة، على استنساخ تجارب لشعراء آخرين، على تشابه في الطرح وإقامة صروح على وديان مازالت راسخة ولم يهزها بركان الحداثة المروع، طاوعت صديقي نبيل ومشيت معه لآخر المطاف، فلم أعثر على "اثني عشر كوكبًا"، ولا على "مديح الظل العالي، ولا "هي أغنية"، ولا حتى "أعراس"، لا يهم فكل شاعر لا يمكن أن يكون إلا ابنًا لتجربته، لكن أبوتوهة لم يكن شبيهًا بأحد، فقصيدة النثر على ما يبدو كان لها ذلك البُعد المهيمن على المسافات الشاسعة بين فلسطين والقصيدة، بين جيل لم يجرب الشعر، مثلما يجرب الموت، وآخر يجرب الشعر بعد أن فر من الموت، و.. "كل الذين ماتوا نجوا من الحياة بأعجوبة".

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية