أدهشني ذلك اليوم أكثر من اندهاشي باللغة العربية، أدهشني الاحتفاء العالمي به والامتثال لقواعده، ونحوه، ومخارج ألفاظه، وعروضه، أكثر من اندهاشي بتلك الحالة التأبينية للغتنا الجميلة، وسرادقات العزاء التي خيمت على عالمنا، وأفقدتنا الإحساس بالألم كلما تأزف الآزفة أو تلحق بنا لهجة غريبة من هنا وأخرى ركيكة من هناك.
أما اليوم الذي لم أهتد فيه لماذا وقع الاختيار عليه دون سائر أيام السنة، فذلك هو ما يجعلني أخمن أكثر مما أتوقع، وأفترض جدلاً بدلاً من أن أحزم أمتعتي وأرحل، أيًا كان اليوم المختلف عليه، وأيًا كان ما يمثله الاعتراف الأممي بلغتنا العربية، وإدخالها ضمن اللغات المعتمدة رسميًا بالأمم المتحدة، أو أن ذلك اليوم أبجديًا قد يصادف اكتشاف اللغة من خلال غريب يعيش في صحاري مترامية الأطراف، وفي قبائل متعددة المشارب والأطياف، إنه اليوم العظيم لاكتشاف اللغة العظيمة. أيًا كان السبب، وأيًا كانت الإيماءات، إلا أن الاحتفاء بهذا اليوم لا يجب أن يمر مرور الكرام من دون التمعن فيما آلت إليه لغة الضاد، وإذا ما كان مرجعها الأعلى هو القرآن الكريم، أم أن ذلك المرجع يعود إلى قبل ذلك بآلاف السنين.
بكل تأكيد القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف أو لهجات هي تلك السائدة على ألسنة الناس، وتلك التي تتحدث بها معظم القبائل في صحراء الجزيرة العربية، وفي تلك الصحاري مترامية الأطراف من الجنوب الآسيوي والأفريقي إلى أقصى الشمال من المغرب العربي. بصرف النظر عن التوقيت، أو عن مكانية النشوء، أو عن ماهية الارتقاء، دعونا نعترف بأن اللغة العربية أصبحت تعاني، وأنها شأنها في ذلك شأن الكثير من اللغات الحية، أصابها الاختلاط مع لهجات، ونتوءات كثيرة تنتمي إلى لغات أخرى، بل إن أصحابها يندرجون من أعراق مختلفة ودماء مختلفة وأصول مختلفة.
في جميع الأحوال فإن لغتنا العربية رغم انفتاحها على لغات أخرى ستظل مقيدة بتقاليد، متماسكة للحد الذي لا يترك ثقوبًا سوداء تتخلل تصميمها الجمالي، أو شكلها الإطاري، ستظل لغتنا غامضة، مفرداتها غامضة، محسناتها البديعية غامضة، وجملتها المفيدة غير مفيدة، اللغة العربية في بطن الشاعر، وفي عقل الفيلسوف، وفي ضمير الغائب المستتر، ستظل مقيدة بأحرف علة، وعلامات تعجب، وظرف زمان لا يدل على مكان، ستظل اللغة العربية مُعرفة بـ "ال" وسوف يظل ظلها طبق الأصل منها، ونحن نشاكس مع الأفعال المشتقة، ومع الخيالات المنبثقة، ومع الأفعال المبنية للمجهول، والأخرى غير المبنية على الإطلاق، مع الكناية عندما يخترقها بحر شعري جارف، ومع الاستعارة حين تغمرها مياه تفعيلة طارئة لم نحسب لها أي حساب، ومع التشبيه البليغ عندما نرفض أن نسمي الأشياء بأسمائها.
اللغة العربية ستظل مقيدة بمخارج ألفاظها، ومداخل حروفها، ومعالم مضامينها، ستظل تنظر إلى المفعول المطلق على أنه عيب شرعي ويتناقض مع صحيح الدين، وسنظل نعتقد بأن كل محاولة للتصحيح هي رجس من عمل الشيطان وعقاب سماوي لا يغفره سوى إقامة الحدود وتطبيق شرع الله.
اللغة العربية ستظل محل جدل بعد أن سمحنا باستقبال اللهجات على أنها عيب أصيل في أصل الحكاية، وليست عيبا دخيلا على صحيح المعتقد، اللغة العربية بعيدًا عن فوضى المصطلحات الغريبة ستظل نقية من خزعبلات المفردات العجائبية الركيكة، ومنقاة من الشوائب الشبابية التي تطل علينا بين الفينة والأخرى، ربما بتقليعة صالحة للرقص أكثر من كونها صالحة للنطق، أصبحت موسيقى العبارة، عبارة يمر بها كل مخترق لكي يجد لنفسه مكانًا تحت شمس الضاد الكبيرة والياء المقصورة، والفتحة عندما تفقد مكانها الطبيعي لتحل مكانها الكسرة أو الضمة أو نون النسوة.
اللغة العربية ستظل خلف كل علامات الاستفهام والتعجب محض سؤال كبير: هل لغتنا الجميلة مازالت جميلة؟
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية