لم يكن الوطن الأكبر باهتًا في الشعر العربي لحساب الوطن الأصغر، لم يكن الفن غريبًا عن الكلام، ولا المولد بعيدًا عن الترحال، ولا البيت العتيق بديلاً عن قوافل الهجرة بين رحلتي الشتاء والصيف.
كان الشعر متألقًا في الوطن الأكبر، وهو يتحدث عن الوطن الأصغر، عن دمشق "سلام من صبا بردي أرق، ودمعٌ لا يكفكف يا دمشق"، ولم يكن الوطن الأكبر متخفيًا والشاعر الكبير يتحدث بين شوقي وحافظ، وهو يتجلى في عشقه لمصر "مصر التي في خاطري وفي فمي، أحبها من كل روحي ودمي"، و.. كان الوطن الأكبر حاضرًا بقوة ووضوح في سمفونية عبدالوهاب "وطني حبيبي.. وطني الأكبر، يوم ورا يوم أمجاده بتكبر". لم يختف الوطن الأكبر أو يغيب والشاعر العربي يتحدث عن الوطن الأصغر، أو يتغزل في أنهاره وهضابه وتاريخه العريق، حدث ذلك ونحن نحتفل بأعيادنا الوطنية في مملكة البحرين، لم ننس العيد الوطني المجيد للمملكة، ولا عيد جلوس حضرة صاحب الجلالة مليكنا المعظم حفظه الله ورعاه، لم ننس ما يحدث في فلسطين، والوطن الأصغر يتشح بالكوفية الفلسطينية التي تحمل اللونين الأبيض والأسود، رمزًا للأمل وصفاء القلب العربي، والأسود حزنًا على شهدائنا في غزة وكل بقاع الأرض العربية المحتلة.
لم يغب الوطن الأكبر ونحن نحتفي بالوطن الأصغر، قلوبنا لم تتوقف عن الأنين، ودموعنا لم تختف من سهر العيون، والخطاب الحماسي لم تهدأ صيرورته، والديوانيات ومجالس المفكرين والمثقفين والأعيان تتحدث عن غزة في الإعلام، وعن غزة في مفهوم الأرض، وعن فلسطين في ثقافة "قطر الندى". الوطن الأكبر سوف يظل حيًا نابضًا في ضمير الوطن الأصغر، والوطن الأكبر الذي يمثل العمق العربي لمملكة البحرين لم يغب لحظة عن سياسة مملكة البحرين الخارجية، ولا عن القناعات والمواقف الوطنية الشامخة لقادتنا الأوفياء، الوطن الأكبر يظل حصنًا وبعدًا استراتيجيًا لمملكة البحرين، جغرافيًا وتاريخيًا وإنسانيًا.
الجدل الواسع كان وسيظل محتدمًا بين المثقفين العرب، فريق يرى أن الإفراط في المحلية تفريط في الوطن أو الأمة، وتجاهل المحلية لحساب الأمة يعتبر خيانة للوطن بمفهومه المتنوع والمتدحرج بين الدولة الحاضنة والمنطقة المنتمية.
لحسن الحظ أننا أمة تتحدث لغة واحدة، وديننا في شموليته واحد، وعاداتنا وتقاليدنا شديدة التشابه، بل وتحدياتنا تكاد تكون مرتبطة ببعضها البعض، لحسن الحظ أن الحبل السري الذي يربط قبائلنا ومناطقنا وأشكالنا وعقيدتنا وجغرافيتنا وتاريخنا يكاد يكون هو نفسه الذي يفصل السبابة عن الإبهام، والجسد عن حبل الوريد، والعنق عن شرايين الحياة، هو كيان محدد الملامح والتقاطيع والأوصال والألوان والأعراق، وهو صلة رحم نحرص دائمًا عليها حتى لا تضيع الأهداف، وتختلف المصائر، وتتناقض الهواجس والاهتمامات.
الوطن الأكبر يصبح أحيانًا جزءًا من الوطن الأصغر، والوطن الأصغر هو جزء بالطبيعة وحقائق الأشياء من الوطن الأكبر، من هنا احتفلنا بعيدنا الوطني المجيد وعيد جلوس مليكنا المعظم في مملكة البحرين وعيوننا على الوطن الأكبر في العراق الذي يعاني، وسوريا التي تتمزق، ولبنان الذي سيظل على المحك، وفلسطين التي ستبقى في الروح والدم ولو بعد حين.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية