العدد 5527
السبت 02 ديسمبر 2023
صناعة الكتاب العربي وعيوبها
السبت 02 ديسمبر 2023

تنطلق اليوم فعالية معرض المكتبات المحلية، ولعلنا نجد في هذه الفعالية شيئاً من التعويض عن معرض الكتاب العربي الذي يبدو أن المعنيين بتنظيمه حسموا أمرهم بإنهاء عصره، ولا أمل في عودة هذا العرس الثقافي الذي كان يترقبه المثقفون والطلبة، وحيث كانت البحرين من أبرز دول المنطقة ريادية في تنظيم معارض الكتاب، حتى أضحى اليوم المثقفون يحجون إلى معارض كتب دول الجوار. وبهذه المناسبة نود أن نتناول في هذه السطور مسألة على درجة من الأهمية تتعلق بصناعة الكتاب العربي التي باتت تواجه أزمة شديدة متعددة المناحي، ويُخطئ من يظن أنها تقتصر على البُعد الاقتصادي فقط، كأزمة الورق التي يبرر من خلالها الناشرون رفع سعر الكتاب، رغم ما ينطوي عليه هذا التبرير في أغلب الأحيان من مبالغات، بالإضافة إلى عوامل أخرى كأسعار الشحن، وضعف إقبال الأجيال الشابة على الكتب رفيعة المضامين في الثقافة والفكر والفنون، في مقابل زيادة إقبالها على الكتب ذات المضامين السطحية الهابطة، وكذلك دخول الكتاب الرقمي على خط الأزمة من خلال "السوشال ميديا" لسهولة عملية استنساخه، أو قراءته مباشرة على الشاشات الإلكترونية. على أن ما يهمنا هنا تحديداً هو أوجه تخلف صناعة الكتاب العربي؛ لأسباب لا علاقة لها بالعوامل سالفة الذكر، وهو ينوف على القرن، إذا ما اعتبرنا أن مطالع القرن العشرين هي البدايات الفعلية المفترضة للنهوض بصناعة الكتاب العربي، علماً أن دخول الطباعة إلى عالمنا العربي يعود إلى أواخر القرن السابع عشر (مطبعة دير قزحيا بلبنان).
والحق فإن مظاهر تخلف صناعة الكتاب العربي التي يدفع ثمنها – معاناةً - المؤلف والقارئ، إنما يتحمل مسؤوليتها بالدرجة الأولى الناشرون، أو لعلها مسؤولية مشتركة بينهم وبين شركات الطبع المتعاقدة معهم حال عدم امتلاكهم مطبعة، وإن كان بعض مظاهر التخلف يتشارك فيها المؤلف معهم في تحمل المسؤولية لعدم متابعاته مع الناشر، أو لجهله أهمية متطلبات إخراج الكتاب بالصورة العلمية السليمة التي ينبغي أن يظهر عليها.
ويمكننا في هذا الصدد أن ندرج تالياً سبعة من أبرز أوجه ذلك التخلف: 
1-     صدور الكتاب دون الإشارة إلى سنة الطبع! (ولعلنا الأُمة الوحيدة -مقارنة بأُمم العالم المتحضر - التي ما فتئ كتّابها وباحثوها ينوهون منذ عقود طويلة في هوامش مؤلفاتهم أو في ثبت مراجعها أن الكتاب المصدر صدر بدون عزو لسنة الطبع!". 
2-     ترك كعب الكتاب خاليا من عنوانه، ما يرهق الباحث أو الكاتب في البحث عنه بين رفوف مكتبته.
3-     رداءة الطباعة، إما لصدور الكتاب بأحرف صغيرة الحجم متعبة للبصر، أو لتغييب فراغات كافية بين أسطر الصفحات لإهمال التنضيد، أو بغرض اختزال عدد أوراق الكتاب.
4-     ضعف تماسك ملزمة الكتاب التي تضمها دفتيه، إما لرداءة التخييط أو لصغر الدبوس الكابس على أوراقه، أو لرداءة الصمغ المستعمل في صناعته، ما يؤدي إلى تفكك الكتاب بعد مرور فترة قصيرة من صدوره. 
5-     غياب الفهرس من الكتاب، أو كتابة أرقام الصفحات فيه على نحو خاطئ لا يدل على أرقامها الفعلية! 
6-     صدور الكتاب متضمناً صفحات بيضاء فارغة من بعض مواده! وهذا استهتار جسيم بحقوق المؤلف والمستهلك القارئ، وهو استهتار تنسحب درجة خطورته على سائر العيوب المتقدم ذكرها!
7-     ومع التطور الشكلي في إخراج الكتاب بتسويقه مغلفاً بكيس نايلون شفّاف مُحكم الإغلاق ميكانيكيا، فإن هذه الميزة وإن كانت تصون الكتاب من الغبار وتحافظ على جِدته لزمن أطول، إلا أنها تحرم المشتري من الاطلاع الأولي السريع على مادته، ما يجعله في حيرة من شرائه أو عدمه، ما لم يصرح له البائع بفتح الكيس.
ولما كانت معظم عيوب صناعة الكتاب العربي يتحملها المنتِج، ممثلاً في الأطراف المشار إليها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل القانون أو العقد المبرم بينه وبين المؤلف يلزمه بإعادة طباعة الكتاب أو تعويض المؤلف عن الأضرار الناتجة عن عيوبه؟ وإذ كان الأمر كذلك فإننا لا نكاد نلحظ أو نسمع عن حالات تمت فيها محاسبة المتسببين في تلك العيوب على نحو رادع، اللهم إلا حالات نادرة جداً، وإلا لما وجدنا هذه الأُزمة قد طال أمدها، فيشكل استمرارها عاراً حضارياً على أية أُمة تجل مناهل العلم والمعرفة، سيما أن هذه العيوب، التي لا وجود لها في كتب الدول المتقدمة الغربية، يمكن تلافيها بسهولة إذا ما وُجدت الأداة التشريعية الحازمة لردع المعنيين اللامبالين بتسببها.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية