العدد 5356
الأربعاء 14 يونيو 2023
banner
حرائق كندا.. إنذار الطبيعة للبشر
الأربعاء 14 يونيو 2023

تابع العالم ولا يزال الحرائق المشتعلة في غابات كندا، وشاهد الجميع الأدخنة المتصاعدة من أكثر من 400 حريق، أبادت قرابة 3.8 ملايين هكتار من الغابات الكندية. لم تتوقف الكارثة عند حدود كندا، بل امتدت إلى المدن الشمالية الشرقية في الولايات المتحدة الأميركية، خصوصا في نيويورك، حيث كادت الرؤية تنعدم جراء الحرائق التي وصفها رئيس الوزراء الكندي "جستن ترودو" بأنها الأسوأ في تاريخ البلاد. 
يعن للقارئ أن يتساءل كيف يمكن أن تحدث مثل تلك الحرائق في دولة مطيرة للغاية، ومعروفة بمناخها البارد جدا، بل قارس البرودة، حيث الثلوج تتراكم معظم أيام السنة، فيما تهطل الأمطار بشكل مكثف في الصيف؟ يبدو الجواب مرتبطا ارتباطا عميقا بحالة التغير المناخي التي تضرب الكرة الأرضية، وما جرى لغابات كندا هو نتيجة طبيعية لحالة الجفاف التي تعم الكوكب الأزرق جراء الاحتباس الحراري المتفاقم يوما تلو الآخر.
تبدو النيران المشتعلة في أقصى شمال الكرة الأرضية بمثابة إنذار للهول الآتي من بعيد، حيث يتوقع العلماء زيادة في درجات حرارة الكرة الأرضية، وبما يصل إلى 2.5 درجة مئوية بحلول عام 2100، الأمر الذي سيؤدي إلى تأثر حياة نحو 2 مليار شخص تأثرا خطيرا بل قاتلا. يعني المزيد من الجفاف، الكثير من الحرائق خلال موسم الصيف الجاري، بعضها في كندا، والكثير منها بلا شك سيضرب الولايات المتحدة الأميركية، لاسيما عند حدود الساحل الغربي وفي كاليفورنيا تحديدا. الحرائق لا تتوقف فقط عند أميركا الشمالية، ذلك أن المخاوف تتصاعد هذا الصيف من أن تشتعل الغابات مرة جديدة في حوض نهر الأمازون، هناك حيث رئة الأرض التي تتنفس بها البشرية قائمة على مساحة 5.5 ملايين فدان تحتوي على قرابة 400 مليار شجرة تنتمي إلى 16 ألف نوع.
تبدو الكارثة التالية للجفاف بعد الحرائق، موصولة بجليد الأقطاب، لا سيما الشمالي، وقد ظهرت قراءات علمية مؤخرا تشير إلى أن ذوبانا كاملا سيحدث في الفصول القليلة القادمة جراء ارتفاع حرارة الكرة الأرضية. يعني المزيد من انفصال القطع الثلجية، وبعضها في حجم جبال، ارتفاع منسوب المياه الدافئة في البحار والمحيطات حول الكرة الأرضية، الأمر الذي سيقود إلى المزيد من العواصف الاستوائية والمدارية، وهبوب الرياح والأمطار الغزيرة القاتلة، وموجات التسونامي التي تغرق وتخرق، ولا ترحم البشرية المعذبة والمتألمة.
التساؤل الواجب طرحه: "هل ستقف البشرية عاجزة أمام ثورة الطبيعة؟
ربما الجواب هو قراءة في المعكوس، بمعنى البحث أولا عن المتسبب في هذه الكوارث، وسوف يظهر في نهاية المشهد أنه الإنسان نفسه. 
شهد العام 2021 مؤتمر المناخ العالمي في مدينة غلاسكو، والعام 2022 جرت وقائع المؤتمر عينه في شرم الشيخ، وهذا العام في أبوظبي، ومع ذلك لا نرى أية قرارات حاسمة حازمة تستنقذ الكوكب الأزرق من وهدته.
على العكس تماما، فإن قوة صناعية كبرى بدورها مثل الصين، وخلال الأعوام الأربعة المنصرمة، وبالتحديد منذ ظهور فيروس كوفيد - 19، آخذة في استهلاك المزيد من الفحم الكربوني، خصوصا بعد أزمة النقص في الكهرباء التي عانت منها.
حتى الذين تابعوا قمة العظماء السبعة الأخيرة في مدينة هيروشيما اليابانية، أدركوا أنه ما من نوايا حقيقية لتغيير المشهد البيئي العالمي مرة وإلى الأبد.
هل "آفة حارتنا النسيان"، كما يقول الأديب المصري الكبير نجيب محفوظ في رائعته أولاد حارتنا؟
الكارثة وليست الحادثة تتمثل في أن كل يوم يمر على الخليقة بشرا وحجرا، تفقد فيه أحد مربعات الحياة، لصالح عوامل التدهور المناخي. 
قادة الدول الصناعية الكبرى يصدق فيهم القول القرآني: "إنهم عن السمع لمعزولون".

كاتب مصري خبير في الشؤون الدولية


 

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية