العدد 5338
السبت 27 مايو 2023
banner
الاستثمار في الثقافة العربية
السبت 27 مايو 2023

ربما نكون قد انشغلنا، أو تغافلنا، أو قد يكون فقه الأولويات بعيدًا عما نحن مقبلون عليه، لكن الأكيد أن الوقت حان على ما يبدو لكي نتحدث عن الاستثمار في الثقافة العربية، بألا نغفل هذا المردود المضمون من عائدات حية، واقتصاد لم يمسسه بشر. ربما يكون الحوار الوطني المصري قد فتح الباب مشرعًا لهذا التفكير الحر، وربما أصبحت الفرصة أكثر من مواتية لكي نطرق على الحديد وهو ساخن.
الوطن العربي من أقصاه إلى أدناه يزخر بالتراث العريق والحضارة الإبداعية في كل مناحي الحياة، في صناعة المتاحف المدهشة، والمكتبات المعمرة، ودور النشر العتيقة، والمسارح العظيمة. ربما تكون الفرصة أكثر من ذهبية ونحن بصدد الحديث عن تراث متعدد الحضارات، منذ الفراعنة والآشوريين والسوماريين حتى العصور الإغريقية والبطلمية والقبطية والأفريقية والعربية والإسلامية. لدينا من الثقافة ما نحن فخورون به، وما يمكن أن يصل بنا عنان السماء ونحن نبحث عن مخرج طوارئ يقينا شرور الركود الاقتصادي، وضيق اليد، ومحدودية الدخل، ونحن تحت أيدينا فرص ضائعة في الاستثمار الثقافي، في صناعة الكتاب وإعادته مرة أخرى للحياة، في الترويج للمتاحف والآثار مترامية الأطراف ومتعددة الانتماءات، ومختلفة الحضارات.
كان لدينا ومازال، شعار لا يجب أن نسقطه من حساباتنا، كان لدينا ومازال في يدينا، شعار آخر لا ينبغي إغفال مردوده الاقتصادي ورسالته الوطنية. الوطن العربي زاخر بالقلاع، من محيطه الأطلسي في فاس ومكناس ومراكش، إلى بحر العرب وخليجه العربي، حيث قلاع سلطنة عمان والبحرين وتراث ما بين النهرين في سوريا والعراق وحضارات الفينيقيين المتعافية في لبنان، وتلك التي خلفت آثارها العريقة في جرش الأردنية وبعلبك اللبنانية والقدس الشرقية، ناهيك طبعًا عن المشاعر المقدسة في مكة والمدينة وآثار الطائف في المملكة العربية السعودية وغيرها الكثير الكثير حول حضارة وادي النيل وما تركته آثار الفراعنة والنوبيين، والدول المتعافية منذ عشرات الآلاف من السنين. هذه الثروات الهائلة مازالت تحتاج لمن يُخرج مكنونها من تحت الأرض. مازالت تسأل عمن يستطيع أن ينفض الغبار المتراكم الذي يثقل كاهلها، ومازالت هذه الثروات غير الناضبة تنتظر من يضع الحصان أمام العربة لكي يقود القطار إلى مريديه، والكتاب الضائع إلى محبيه، والمتحف الشامخ إلى زواره ورواده وناظريه.
فالاستثمار في الثقافة العربية كنز لا يفنى، مورد سياحي مستقل بذاته، ومفتوح على مصراعيه، ولا يحتاج إلا لرؤية متكاملة نضعها أمام مسؤول مستنير، لا ينقصها سوى أن نطرحها بعلمية ودقة ومعيارية وأدلة ثبوتية أمام جهة قادرة على تجاوز بروتوكولات حكماء البيروقراطية، واجتياز حواجز إلقاء كرة الثلج في ملاعب الآخرين.
فرصة لا تخطئها عين لو كانت رؤيتنا صائبة بشأن التعاون الإقليمي من أجل إحياء تراثنا العريق الذي تعبر عنه وتحييه الأسر المنتجة والصناعات اليدوية، وتلك المرتبطة بتقليد الأثر وإعادة تصنيع نماذج فنية منه وطرحها للبيع في بورصات التحف العربية والمعارض المختلفة مثلما هي كذلك في دول الغرب وتلك التي سبقتنا إلى اكتشاف حضارتنا العريقة ولم تكن لدينا مساهمة تُذكر في هذا الكشف العظيم.
فصناعة مسارح الدولة وإعادتها إلى الحياة بنصوص تُحيي التراث، وتطويع الثقافة، وتوجه العقل الجمعي للأمة بعد أن فقد هذا المسرح مكانته خلال السنوات القليلة الماضية.
يكفي أنه 90 % من كنوز مصر الفرعونية لم تُكتشف حتى الآن، ويكفي بأن بعثات الكشف عن الآثار التي زارت عدة دول عربية من المغرب غربًا إلى البحرين حيث حضارة دلمون العريقة شرقًا مرورًا بحضارة ما بين النهرين "دجلة والفرات" مازالت تبوح بأسرارها، ومازلنا لا نهتم بصناعة هذا المنتج الحضاري الشامخ وإضافته إلى أجندة الاستثمار الخاوية من الإبداع، والخالية من الأفكار الجديدة اللائقة.
نحن أمام فرصة أكثر من مواتية بعد أن تم فتح باب التفكير العربي على مصراعيه أمام النخب لكي يتحدثوا بكامل الصراحة والوعي والأريحية حول ما يسمى بإعادة بناء العقل الجمعي للأمة، والاتفاق على دولة الوطن أو وطن الدولة، وأن مؤسساتها العريقة ستظل بمثابة الركن الأساسي في حماية وضعنا التراثي وأمننا القومي، وتاريخنا العريق.
لقد تمتعت أمتنا بما لا قد تتمتع به أمم أخرى في العالم، حيث حباها الله بثروات فكرية وثقافية أهمها وأكثرها تأثيرًا أننا مهبط الأديان السماوية الثلاثة، وأننا ملتقى الحضارات العابرة للقارات على هذه الأرض العامرة، وأننا منبت كل فكرة عظيمة وكل عجيبة لها الأسبقية في إدهاش هذا العالم الفسيح منذ الأهرامات وحدائق بابل المعلقة وفنار الاسكندرية حتى يومنا هذا.
لابد أن ننشئ بورصة عالمية في عواصمنا العربية للاستثمار في صناعة الكتاب وتداوله وتسويقه وترجمته، ولابد من إعادة فكرة تدوير المعارض الوطنية على المستويين الإقليمي والدولي وإعادة إقامتها بحلة جديدة وأشكال أكثر تطورًا حتى يتم تحقيق أهم استثمار في مخزون تراثنا الحضاري العريق.
الاستثمار في الثقافة العربية، هو استثمار في ديمومة العقل العربي، وصيرورة إنجازاته عبر الحقب والعصور، اللهم هل بلغت اللهم فاشهد.

كاتبة مصرية

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية