العدد 4397
الأربعاء 28 أكتوبر 2020
ريشة في الهواء أحمد جمعة
فرنسا... رؤية بعيدة عن التشنج
الأربعاء 28 أكتوبر 2020

من لا يعرف تاريخ فرنسا الحضاري ولا يفهم نسيج المجتمع الفرنسي وتركيبته قد تخونه الأحكام المُتسرعة ويسقط في قائمة العصبيات والتشنجات ودعوات المقاطعة بأي اتجاه كانت وقد خبرناها منذ عقود، هذه الدعوات ليست سوى طفرات عاطفية تلازم كلّ موقف غوغائي يجرنا لمزيد من العصبية، لنتذكر قبل أن نتصارع ونصارع، بأن ذبح إنسان بحد السكين يتناقض مع كلّ الشرائع، ولنتذكر بالوقت نفسه أن فرنسا بالذات من بين العواصم الأوروبية، تعتبر الأكثر علمانية، إذا يعود تاريخ البلاد في الحريات إلى عدة قرون، وفي القاموس الدولي هي مدينة النور والثقافات والفنون والتعبير، ردة الفعل الفرنسية على جريمة ذبح المدرس كانت ردة فعل صاعقة هزت المجتمع الفرنسي برمته ولم يكن أمام الرئيس الفرنسي ماكرون إلا أن يظهر بتلك الصورة الغاضبة للتعبير عن ردة فعل الفرنسين، وبعيدًا عن المزايدات العاطفية والعصبيات هنا وهناك لابد من ذكر حقيقتين تمثلان واقعين لا يمكن تجاوزهما.

أولا تتحمل فرنسا وعدد من الدول الأوروبية كبريطانيا وبلجيكا مسؤولية كبيرة بفتح الباب على مصراعيه للتنظيمات المتطرفة وغض الطرف عنها، وقد أصبحت العواصم الأوروبية مرتعا للمتطرفين وسبق أن عانت فرنسا ذاتها من مواقف هذه الجماعات، هي تملك معلومات وملفات كاملة عن هذه الجماعات وقد سمحت لها بالحركة ضمن اعتقاد بحرية التعبير، ولم تدرك أنها هي ذاتها ستدفع الثمن من أجل حرية تعبير لمتطرفين،

الأمر الآخر لننتبه بأن المواقف المتطرفة التي سنتخذها من خارج فرنسا كعرب ومسلمين ضد فرنسا ستضر بالملايين من العرب والمسلمين المتواجدين على الأرض الفرنسية وستزيد معاناتهم بل وشقاءهم بسبب مواقفنا المتطرفة بالخارج، ولا يجب أن نندفع كالأحمق أردوغان الذي يتاجر بكلِّ قضايا المسلمين وهو أكبر تاجر حقيبة بتاريخ الرؤساء في العالم. لننظر بواقعية وموضوعية إلى ثورة وغضب الفرنسيين النابع من صدمتهم تجاه جريمة بشعة صدمتهم بالعمق وهزت بلدهم، وهذه ردة فعل من بلد طالما كان مدينة النور في التاريخ، وبالتالي ليست دعوة المقاطعة والتصعيد لصالح المقيمين في فرنسا، إذ ستضيق عليهم أكثر، هذا هو حالنا دائما مع الانفعال والتشنج والتسرع الذي لم يجلب لنا سوى الشقاء في وقت يزرع فيه العالم السلام بأرجاء المعمورة. وتشهد المنطقة لأول مرة انعطافًا نحو التهدئة وبناء الثقة بين الشعوب والأديان والثقافات، إذا لا يجب ترك العصبيات والتشنج يقود عواطفنا وكفى متاجرة بالدين.

 

تنويرة:

لا داعي لانتظار تصفيق الآخرين كعلامة للنجاح.

2020 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية