العدد 3782
الخميس 21 فبراير 2019
نقطة الطبشور
الخميس 21 فبراير 2019

قيّض الله لنا في سبعينات القرن الماضي عدداً من الرجال (والنساء كذلك) الذين اصطفاهم التعليم، فكانوا امتداداً حقيقياً لجيل من سبقوهم من المعلمين المخلصين الذين يستشعرون عظم المسؤولية التي يحملونها تجاه هذا النشء الذي يجلس على كراسي الدراسة الخشبية العتيقة، مبحلقاً عينيه، فاتحاً أذنيه، ممتصاً المعلومات والتوجيهات والإشارات التي تأتيه من معلمه، المصدر الأكبر والأهم للمعلومات، حيث كانت وسائل التشويش بين المعلم وتلميذه نادرة.

في مدرسة عمر بن الخطاب في المحرق، كنا نأخذ حصة “نشيد” في الصف الثالث الابتدائي، لا أزال أذكر بعد أكثر من أربعين سنة الأستاذ الفاضل خالد الخاجة، خارجاً عن المنهج، خاطّاً بطبشوره أنشودة/‏قصيدة “موطني”. والله، كأنني أراها الآن أمامي لروعتها، أنشدها معلمنا أمامنا ملحنة، ورددناها وراءه، لم نكن نفهم منها إلا كلمة “موطني”، وكانت كافية لتملأنا شعوراً عزيزاً بلغنا معه “السِّمَاك”، ظللنا ننشدها ونزعق بها حتى تجرّحت حناجرنا ولم نشعر، كان الدرس أبلغ من كل الدروس الرتيبة.

وما إن بلغنا الإعدادية مع بعضٍ من تفتّح المدارك، حتى تسلمتنا جملة من معلمين أجلّاء أذكر من بينهم – وهم كثر - الأستاذ أحمد إبراهيم الجودر، مدرّس المواد الاجتماعية الذي كان درسه في التاريخ يتحوّل دائماً إلى درسٍ في القومية والعروبة، ويحطّ في فلسطين.. ويكون الدرس عن الممالك، ويجرّه إلى فلسطين، ويقول لنا عن الجغرافيا، وسبحان الله، ينتهي الدرس في فلسطين. يحدثنا بما لا تحدثنا به المناهج، يجعل من درسه ومن فلسطين ما يستحق الانتظار، يخالجنا الفخر والعزة، ويسيل في حلوقنا ريق مرارة الهزائم، نخشى على معلمنا أحياناً، لفرط حماسه وحرقته وهو يسمي من تآمر وخان وفرّط، وإذا التفت ليشرح ما يقوله له لنا، كان يضرب بطبشوره السبورة السوداء راسماً النقاط على الحروف، فكانت أصابع الطباشير تتفتت على اللوح، وكأنه يغرز خنجراً في هذا الكيان... كأنه يغرس فينا ما علينا حمله من بعد جيله.

بعد عقود من الغرس، بعد أن علمونا من هو العدو، يُراد لنا اليوم ألا ننحبس في الماضي، أن نخلعه من أضلاعنا، أو نخلع أضلاعنا، لنعيد تسمية الأشياء والأعداء... كيف يرجون ذلك وهم لم يشهدوا الطبشور وهو يتشظى راقماً نون فلسطين؟

التعليقات

2021 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .