لعلماء النفس إشارة فارقة حول ظاهرة البكاء التي تُعبّر عن حالة سيكولوجية دقيقة بما تعكسه من استجابة عاطفية ذاتية مُحزنة أو مشاعر قلبية داخلية مُفرحة عند عامة البشر – سواء كانوا كبارًا أو صغارًا، ذكورًا أو إناثًا – حين تظهر في هيئة دموع تذرفها العيون بانهمار، يعلو فيها مستوى هرموني “الكورتيزول” و”الأدرينالين” اللذين يؤثران على النفس البشرية ويُدخلانها حالة عاطفية لترويح النفس وتغيير المزاج وتجنيب الضيق وترتيب الأفكار وإعادة التوازن، ووفق تصنيف يُخفّف التوتر ويُزيل القلق ويُحفز العاطفة وسط دوافع ومسبّبات من حجم وتراكم المشاعر التي لا يمكن تجاوزها جرّاء الصدمات الشديدة التي تأخذ سمّة الاستمرارية في مختلف المواقف والظروف المُحفزّة على البكاء والحزن وقتما يُصيب النفس لفقد العزيز ويحرّك المشاعر لفراق المُؤنس.
إنّه من المسلّمات حين يكون الموت – وهو ليس آخر المطاف - بوابة لمرحلة جديدة يتمّ اجتيازها في رحلة يسيرة للدّار الآخرة التي لا يزال الناس فيها فرادى وجماعات – سواء كانوا مؤمنين أو ما سواهم - يتجرّعون فيها غُصَص الكروب وفواجع الفقد ولوائع الحرمان وشدائد الأهوال إلا المؤمن “الحقّ” فيهم وقتئذٍ يتحصن بجنّة الصبر عند ادلهام المُلمات النازلة وانصباب الكربات الدّاهية الذي لا يمنع فيها جميل هذا الصبر إسبال عبرات الرحمة ونفث زفرات الوفاء في ضرر المصائب التي تعقب عليه – أي المؤمن الحقّ - بالخير والرشاد والرضا بحكمة ربّ العزّة والجلالة وأقداره الحتمية المقدرة، غير أنّ للعويل والتفجّع المُمتزج بالصبر والأناة استثناء، حين تصدر (إفادة وفاة) سبط رسول ربّ العالمين (ص) – ومهما تباعدت بينه الأزمنة والدهور – ممهورة بسيف النّحر الباتر الذي سفك الدّم الطاهر ظلمًا وعدوانًا.
نافلة:
يأتي تفاعل عموم المسلمين في أرجاء المعمورة حزنًا وبكاءً على مصاب سبط الرسول الكريم (ص) وتجديد ذكرى شهادته الحزينة؛ وسيلة تجذير للوعي الصائب وترسيخ للقيّم النبيلة التي صنعت جمهورها وقائع معركة الطّف الخالدة وخلّدتها بالإيمان القاطع بأحقّية القضية تجاه رسالة الأمة وتاريخها على سبيل تفجير ينابيع الصلاح وفق طراز فريد تتعاظم تجلياته على منهاج الكرامة والعدل بفضل الدماء الطاهرة والقرابين المُضحية التي شكلّها قبلًا توازن العواطف وتنفيس البواطن وتبديد الهموم في مصاديقه البارزة لتعظيم الشعائر وتخليد المراتب لأئمة المسلمين عموما حتى برز منهم عملاق كربلاء الحسين (ع) بما صنع من الصناديد الأبطال وشحذ بالهمم الطاقات وعبّأ للجماهير المجاميع.
السلامُ على الحُسين، وعلى أخيه العباس وعلى ولدَيه العليّين الشهيدين، وعلى أخته الحوراء، وعلى المستشهدين بين يديه يوم عاشوراء ورحمة من الباري تعالى وبركاته.
كاتب وأكاديمي بحريني