العدد 6101
السبت 28 يونيو 2025
رهانُ إباءٍ حُسيني
السبت 28 يونيو 2025

يُنقل عن الجاهلي “شاس بن قيس”، أنّه كان عظيم الكفر شديد الضغن، مرّ على نفر من قبيلتي الأوس والخزرج، فأغاضته مشاهد جمعتهم وأحنَقته مناظر ألفتهم؛ فعَمد إلى شاب يجلسْ معهم، مع تذكيرهم بيوم “بُعاث” وما قبله – ويوم بُعاث من أشهر وأدمى معارك اليثربيين التي وقعت قبل الهجرة بخمس سنوات بين القبيلتين، وبُعاث منطقة قريبة من المدينة المنورة - وأنشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار حتى تمكّن هذا الشاب الماكر من إشعال نار العصبية القبلية بينهم وبعث الأحقاد والضغائن فيهم، إلى أنْ تنازعوا تصادمًا وتنادوا للقتال تعنيفًا! وقد بلغ الأمرُ للنّبي الأكرم (ص)، فخطب في جموعهم حتى انصرفوا سامعين مُطيعين بعد أنْ ألقوا السلاح، وعرفوا أنّها نزغة الشيطان الرجيم!

إجمال ما يُحدثه منظر سفك الدّم على الفرد والمجتمع والإنسانية جمعاء، هو اعتداء على المجتمع كلّه، ومَجلبة لسخط الباري، ومُوجب للنّار والخلود فيها، بل وكبيرة من كبائر الذنوب التي تُضيّق على النّفس في الدنيا والآخرة، حيث هي أعظم حرمة من الكعبة وأول الأشياء التي يقضي فيها ربّ العزة والجلالة بين الناس يوم القيامة في تغليظ الأمر وتعظيم الخطر واجتناب الجراح وفق أسس ثابتة تُحقّق مصالح عباده المسلمين في حفظ دينهم ونفسهم وعرضهم ومالهم ونسلهم، والتي شملت سواهم غير المسلمين؛ حفظًا للنفس البشرية وحُرمتها التي فضُّلت على سائر المخلوقات في آيات كتابه المحكم وأحاديث رسوله الأعظم.

نافلة:

ارتوى السبط الشهيد (ع) بكأس الشهادة بعد استباحة دمه الطاهر في واقعة الطّف الخالدة على أرض كربلاء ظهيرة العاشر من محرم الحرام سنة (61) هجرية. هذه الواقعة الأليمة، جَرَتْ وقائعها رُغْمَ إكرام الجليل الأعلى عبده بمكانة عالية وحرمة عظيمة تُجنّبه الأذى في دمه وماله وعرضه، وَسَطَ أمّة تحتضن شُخوصًا أبيّة بنفحات واهبة وجّهت المسار وخلدّت الاتجاه، كشخصية الإمام الحُسين (ع) الذي مضى مع كوكبة من شهداء الإسلام الخُلّص؛ فكان رهان إباء راسخ، أسهم في تأسيس مدرسة شاملة قَدَحَت العقول بالأفكار المُلهمة والدروس الواعظة في تعميق القيّم السامية وترسيخ الفضائل العالية وترويض النفس الباذلة كما في شخصية “أبي الفضل” (ع)، وتعظيم دور المرأة في قيادة التغيير بعفة وطهارة مُمَثَلة في شخصية “زينب الكبرى” (ع)، فضلًا عن توظيف خبرات الكبار في التنمية المجتمعية كما بدا في مكانة “حبيب الأسدي” (ر)، وصولًا إلى توجيه قدرات الشباب وتحدّي عصرهم كما في حماسة “القاسم والأكبر” (ع).

 

*كاتب وأكاديمي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية