قرأت بكل ألم منذ أيام قليلة في وسائل التواصل وعلى حساب الانستغرام رسالة وداع من مكتبة الفابيتكا في بورسعيد المصرية ما يلي: “في بعض القرارات بيكون اتخاذها صعب جدًّا... وده واحد منها”، وكان القرارُ إغلاقَ المكتبة.. وقبلها بأشهر قليلة أيضا قرأت قرار إغلاق واحدة من أعرق المكتبات بمدينة صفاقس التونسية: “مكتبة صفاقس الثقافة تغلق أبوابها”.
ويستمرّ النزيف، ويستمرّ إغلاق الفضاءات الثقافية في الوطن العربي من مكتبات ودور ثقافة وعلم وقاعات سينما ومسارح.. ولا أدري لماذا - كلما قرأت مثل هذه الأخبار - تغنّي ذاكرتي بكل ألم: “جيفارا مات.. جيفارا مات آخر خبر في الراديوهات” للشيخ إمام؟
من يرى هذه الحالة صورة عادية فعليه أن يراجع نفسه.. إنها هزيمة متجدّدة للثقافة وخسارة مضاعفة للعلم والثقافة في معركتنا أمام الجهل والتخلّف؛ فإغلاق فضاء كبير للمطالعة في وطننا العربي أو محلات لبيع الكتب أو دور طباعة ونشر هو خسارة لنا قبل أن تكون خسارة لأصحابها، وعلى رأي الأستاذ عبداللطيف معطر من تونس في تعليقه على خبر إغلاق مكتبة الفابيتكا في مصر فإنّ “كل مكتبة تغلق أبوابها هي هزيمة جديدة للثقافة وانتصار إضافي لعصر التفاهة الذي نعيشه”.
نعم عصر التفاهة يتمدّد ويتمطّط ببرودتنا تجاه العلم والمعرفة والثقافة البانية للفكر النقدي.. نعم برودتنا ولامبالاتنا كمسؤولين وصانعي قرار في الوزارات ذات العلاقة المباشرة بالثقافة بجميع أشكالها، وتجاهلنا كمؤسسات اقتصادية ومصرفية دعم الثقافة والكتاب لأنّه في نظر أرباب البنوك ليس مشروعًا مربحًا.
ولا مبالاتنا كتجار بتوفير ما يطلبه المستهلكون حتى تحوّلت بعض معارض الكتاب في عالمنا العربي إلى فضاءات عامة للتسوق في كل مجال والكتاب يقبع في ركن ركين من تلك الفضاءات لا يكاد يبين، وبتقصيرنا كإعلام في دعم الكتاب والمفكرين والعلماء وتقديمهم على أنهم القدوة والمثال والسماع لصوتهم وأفكارهم وأسئلتهم وهواجسهم وحتّى إن حضروا في الإذاعات أو التلفزيون ففي وقت متأخر من الليل والناس شبه نيام.
وطبيعي جدًّا أن تنتصر التفاهة على الثقافة وتغلق في وجوه الأجيال المكتبات في زمن العولمة التي لم نجن منها إلى الآن إلا مساوئها؛ فنحن في زمن بات فيه البريق العابر يُقدَّم على القيمة الحقيقية، وتُمنح الشهرة لمن يُحسن لفت الأنظار أكثر مما تُمنح لمن يُثري العقول ويعمّق الوعي. وتتقدّم المضامين الخفيفة إلى واجهة المشهد الثقافي والإعلامي، فيما تتوارى الأعمال الفكرية الرصينة في زوايا أقل حضورًا.
فإلى أيّ مدى سيصمد “أولئك القلائل الذين مازالوا يقرأون ويكتبون ويؤمنون بأن الكتاب، مهما اشتدت العواصف، يظل أحد آخر حصون العقل والحرية”؟.
كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية