لقد وصلتنا هدية ثمينة، وليست الهدية تُقاس بقيمتها المادية، بل بما تحمله من فكر ومسئوليه.
كتاب “خُلق الإنسان باحثًا” للدكتور راشد بن علي البلوشي ليس مؤلفًا أكاديميًا بحتًا ولا تربويًا صرفًا، بل هو محاولة صادقة لإعادة الإنسان إلى جوهره الحقيقي: التساؤل، التأمل، والاستكشاف.
من سلطنة عمان، حيث ترافق البساطةُ الفكرَ العميق، ويتجاور العلم مع التواضع، تعبر هذه الرسالة الفكرية حدود الجغرافيا لتصل إلى قلب القارئ العربي، بعقلٍ يتفكّر، وقلبٍ يتحسّس.
يكفي عنوان الكتاب ليثير الفضول: “خُلق الإنسان باحثًا” ، عبارة تستدعي سؤالًا آخر: هل فقدنا فطرتنا؟ هل بتنا نعيش على هامش المعرفة لا في عمقها؟
الدكتور البلوشي لا يُحمّل الكتاب ما لا يحتمل، بل يقدّمه بروح الصديق المحبّ، لا الأستاذ البعيد. يبدأ من فكرة الفطرة الإنسانية، والخلق، ومنحة الله للإنسان بالعقل، ثم يضيء تفاعلات القدرات الفطرية مع البيئات التعليمية، والتكامل بين الهبة الجينية والمهارات المكتسبة، وبين الفضول الفطري والإجابات الجاهزة.
في زمن تُغرقنا فيه الكتب المتخصصة بلغاتها الفنية، يأتي هذا الكتاب بلغة أنيقة، واضحة، لا تتصنّع ولا تُملي، بل تحفّز القارئ على التفكير دون تكلف.
إنه كتاب لا يُقتبس منه لمجرد الاقتباس، بل يُقرأ ليوقظ شيئًا بداخلنا كنّا قد نسيناه: كيف نسأل؟ كيف نندهش؟ كيف نستعيد ما كنّا نظنه معلومًا لدينا؟
ومن السمات البارزة لهذا الكتاب أيضًا أنه لا يفصل بين المعرفة والإيمان، بل يجعلهما ركنين في تكوين الإنسان الباحث.
وفي نهاية هذه الرحلة الفكرية، ينتقل الكاتب بسلاسة من التأمل العقلي إلى التعمق الروحي، مقدّمًا الصلاة كنموذج مركزي للتعلم والانضباط. ليست فقط تعبيرًا عن العبادة، بل تمرينًا تربويًا عميقًا يُطهّر الفكر، ويوحّد الروح، ويهذّب السلوك.
إن هذا المزج الذكي بين العقل والروح يضفي على الكتاب وزنًا حقيقيًا، ويحوّله من مجرد تأمل نظري إلى أثر عملي.
وقد كُتب هذا العمل تحت إشراف الدكتور راشد بن علي البلوشي، أستاذ مشارك في اللغويات النظرية بقسم اللغه الانجليزيه بجامعة السلطان قابوس، الحاصل على شهادات عليا من جامعات فلوريدا وتورنتو . وهو باحث اختار ألا يظل في بحار اللغة فحسب، بل غاص في أعماق الوعي الإنساني.
لم يكتبه كمتخصص فقط، بل كمفكر لا يزال يحتفظ في داخله بسؤال لم يجد له جوابًا شافيًا بعد.
لهذا نُقدّر هذه المبادرة بكل امتنان، لا لأنها قدّمت كل الإجابات، بل لأنها طرحت ما يكفي من الإجابات لتدفعنا نحو البدء برحلتنا الخاصة في البحث… تمامًا كما خُلقنا.