العدد 6108
السبت 05 يوليو 2025
احتكار الأدوية.. نعمة أم نقمة (1)
السبت 05 يوليو 2025

 عندما تقوم أية شركة أدوية بتطوير أي دواء جديد لعلاج أي مرض، يتم التسويق لهذا الدواء في البداية تحت اسم تجاري يمكن الأطباء من وصفه للمرضى. ويخضع الدواء لحماية قانونية لبراءة اختراعه، ما يعني أن الشركة المصنعة والحاصلة على براءة الاختراع هي وحدها المخولة بتصنيع الدواء وتسويقه، وبالتالي جني الأرباح من وراء ذلك. في الولايات المتحدة وفي معظم الحالات، عادة ما تُمنح براءة اختراع الدواء لمدة عشرين عامًا تقريبًا. ويختلف عمر براءة الاختراع باختلاف البلدان وكذلك الأدوية، وبما أن الشركة تتقدم بطلب للحصول على براءة اختراع قبل فترة طويلة من بدء التجارب السريرية لتقييم سلامة الدواء وفعاليته، فإن فترة براءة الاختراع الفعلية بعد الحصول على الموافقة النهائية غالبًا ما تتراوح بين 7 أعوام و12 عامًا، وبمجرد انتهاء صلاحية براءة الاختراع للدواء والتي يطلق عليها أيضًا “فترة الاحتكار” له، يمكن لأية شركة أخرى تصنيعه وبيعه، ولكن يجب منحه اسمًا تجاريًّا مختلفًا ويطلق على الدواء عندئذٍ اسم “دواء جنيس”، ووفقًا للمبادئ التوجيهية في معظم البلدان، وتلك الصادرة عن إدارة الغذاء والدواء الأميركية، يجب أن تكون الأدوية الجنيسة مطابقة للأدوية ذات العلامة التجارية الأصلية من حيث الفعالية والسلامة والاستخدام وطريقة إعطاء الدواء، بالإضافة إلى خصائصه الحركية والديناميكية.
تمثل براءات اختراع الأدوية أداة قانونية تمنح الشركات المصنعة احتكارًا مؤقتًا لبيع الأدوية الجديدة، بهدف تعويض التكاليف المرتفعة للبحث والتطوير والاستمرار فيهما. ومع ذلك، تحول هذا النظام إلى أداة لإطالة فترة الاحتكار والتحكم في الأسعار، ما يقيد الوصول إلى الأدوية المنقذة للحياة، خصوصًا في الدول الفقيرة تظهر هذه الإشكالية بشكل جلي في العديد من الحالات. على سبيل المثال وخلال جائحة كوفيد - 19، عارضت بعض الدول الغنية وشركات الأدوية الكبرى رفع الحماية عن الملكية الفكرية للقاحات بحجة حماية الابتكار، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها وتأخير إنتاج لقاحات ميسورة التكلفة رغم وجود مصانع في دول نامية قادرة على التصنيع لو حصلت على “المخططات الفنية”، فكانت النتيجة أن تمكنت الدول الغنية من شراء تلك اللقاحات تاركة الدول الفقيرة تعاني نقصًا حادًّا فيها. مثال آخر في نفس السياق هو دواء سوفوسبوفير (Sofosbuvir)  المستخدم لعلاج التهاب الكبد الوبائي “سي” (Hepatitis - C)، حيث يباع في الولايات المتحدة الأميركية أعلى بحوالي 3000 مرة من تكلفة إنتاجه، ما حرم حوالي 93 % من مرضى العالم من العلاج لسنوات، وأدى ذلك إلى زيادة انتشار المرض.
ولكن هل تنتهي قصة براءات اختراع الأدوية بانتهاء فترة الاحتكار؟ يشير خبراء في الأدوية والصحة إلى أن بعض الشركات الكبرى تمارس ما يعرف بـ “التخضير”، وهو مصطلح يطلق على محاولات التمديد المصطنع لعمر براءة الاختراع من خلال إجراء تعديلات طفيفة على تركيب الدواء أو جرعته أو شكله الصيدلاني دون تقديم ابتكارات أو فوائد علاجية حقيقية، وذلك فقط لتأخير الشركات المصنعة للأدوية الجنيسة من إنتاج بدائل مطابقة للدواء الأصلي. مثال صارخ على التخضير هو دواء هوميرا (Humira) المستخدم لعلاج التهاب المفاصل الروماتويدي (الروماتزم). حيث قامت الشركة المصنعة له بزيادة 11 عامًا إضافيًّا لفترة احتكاره عبر 130 براءة اختراع ثانوية، ما كبد المرضى وأنظمة الصحة العامة مليارات الدولارات تصب جميعها في جيب الشركة المصنعة وتضيف إلى أرباحها.
الجدل حول براءات اختراع الأدوية وفترات احتكارها يزداد حدة وبشكل خاص في حالات الأوبئة والطوارئ الصحية، حيث يطرح السؤال: هل يجوز التمسك بالملكية الفكرية على حساب الأرواح؟ وهل من المنطقي تمديد فترات احتكار الأدوية مع تأثير ذلك على صحة البشر؟ وقد دفعت هذه التساؤلات بعض الدول إلى اللجوء إلى آليات “الترخيص الإجباري” لتوفير الدواء رغمًا عن براءة الاختراع في ظروف استثنائية ولأهداف اضطرارية.

أكاديمي وعضو مؤسس بجمعية الصيادلة البحرينية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية