دعيت قبل سنوات للتحقيق في شكوى رسمية قدمها زوج إحدى المريضات بأن حرمه أعطيت دواء خاطئًا سبب لها مضاعفات أدخلت إثرها المستشفى وبقيت فيها مدة من الزمن، فقمت بزيارة ذلك المستشفى ومراجعة الملف الطبي للمريضة بتأن للتحقق مما إذا كان الخطأ حاصلًا أم لا، ولكن لم يثبت شيء من الخطأ في الأدوية التي أعطيت المريضة أو جرعاتها. كثيرًا ما يتم تداول هذه الحادثة ومثيلاتها بين الناس لأسباب كثيرة. وأحاول هنا أن أقدم تفسيرًا علميًّا لأغلب الحالات التي يعتقد فيها الناس أنه تم إعطاء “دواء بالخطأ”.
بدايةً يجب التنويه إلى أن العاملين في المجال الصحي بمختلف قطاعاته يمارسون مهنهم وفق إطار أخلاقي ومعايير مهنية عالية كرسها فيهم دينهم، بالإضافة إلى المناهج التي خضعوا لها أثناء دراستهم الجامعية وترجمها من سبقوهم في ميثاق شرف لكل مهنة. لذلك فمن بديهيات القول انهم يمارسون مهنهم بمنتهى الإخلاص وبأقصى درجات الدقة ويقدمون للمريض عصارة معرفتهم وخبرتهم لتحقيق أكبر منفعة ممكنة وأقل ضرر. كذلك فإنه من المسلمات أن كل دواء يحمل آثارًا إيجابية مرغوبة يقوم الطبيب بسببها بوصفه للمريض، لكن على الجانب الآخر قد يسبب مضاعفات تتفاوت في درجة خطورتها، وتسمى هذه آثارًا جانبية. فعندما يتم وصف الدواء للمريض يقوم الطبيب بموازنة هذين الأمرين ليحدد ما إذا كان عليه المضي قدمًا في وصف الدواء أو الإحجام عن ذلك. واﻵثار الجانبية تتفاوت في نسبة حدوثها فبعضها قد يحدث بنسبة 1 في المئة أو أقل وتصل نسبة حدوث أكثرها إلى 1 في الألف وربما أكثر.
ويجب الالتفات إلى أن الآثار الجانبية لا تحدث لكل مريض، فعندما يقال إن احتمالية حدوث أحدها هي 1 %، فهذا يعني أنه بين كل 100 مريض يستخدم الدواء هناك مريض واحد فقط قد يصاب بذلك الأثر الجانبي، كما يجب الالتفات إلى أن أغلب الآثار الجانبية تكون خفيفة ويمكن تحملها ولا تستدعي التوقف عن تناول الدواء.
أغلب المرضى عندما يشتكون من أن الدواء قد وصف لهم بالخطأ يكون ذلك بعد تعرضهم لأحد الآثار الجانبية، لكن هذه قد تكون شديدة. كذلك ينبغي التنبيه إلى أن أغلب اﻷدوية قد تسبب حساسية، وهذه لا يمكن التنبؤ بحصولها أو مدى شدتها أو خطورتها، فبعض حالات الحساسية تظهر على هيئة طفح جلدي قد تصاحبه حكة بسيطة، ولكن بعضها قد يصل إلى ما يسمى صدمة الحساسية المفرطة (Anaphylactic Shock) حيث يتعرض المريض إلى قصور في وظائف العديد من أعضاء الجسم مثل القلب والرئتين والكليتين، وهذه قد تجعل المريض يعتقد أن دواء خاطئًا قد وصف له. والنصيحة التي نقدمها للمرضى في هذا الشأن أنه يجب إخبار الطبيب المعالج والصيدلي وحتى الممرضة إذا كان المريض يعاني من حساسية لأي دواء حيث يجب اجتناب إعطاء أي دواء قريب منه أو شبيه له من ناحية التركيب الكيميائي، وإن كان على الطبيب أو الصيدلي أو الممرضة المبادرة بالسؤال عن موضوع الحساسية.
ختامًا، وإن كان موضوع الدواء الخاطئ واردًا في بعض الحالات، إلا أن أغلب الوقائع يكون السبب فيها آثارًا جانبية ربما تكون معروفة للدواء بنسب متفاوتة أو بسبب الحساسية التي قد تحدث لأي دواء.
أكاديمي وعضو مؤسس بجمعية الصيادلة البحرينية