في سياق اللهث وراء أحداث المنطقة الخطيرة والمتسارعة، وآخرها المجابهة العسكرية بين إيران من جهة والتحالف الأميركي الإسرائيلي من جهة أخرى، لعل الكثير من الإعلاميين والكتّاب فاتهم التوقف عند مغزى دخول مفردات قومية في خطاب مرشد الثورة السيد علي خامنئي تمجد الشعب أو الأمة الإيرانية، وهي مفردات غير معهودة في خطاباته، وإن كانت تظهر بين الفينة والأخرى في أجهزة الإعلام الرسمي الذي يخضع لتوجيهات الحكومة “المنتخبة” بشكل مباشر، وبشكل غير مباشر لتوجيهات المرشد.
وإلى جانب تلك المفردات وجدناه يتحدث عن الأمم المتحدة والقانون الدولي، فعلى مدى أربعة عقود ونيف من انفراد الملالي بالسلطة إثر نجاح ثورة 1979 الشعبية، بزعامة المرشد الراحل آية الله الخميني، ظل خطابه والخطاب الرسمي للحكومة يستخفّان بالقانون الدولي والأمم المتحدة، ولم يحد خليفته خامنئي عن هذا الخط منذ حلوله محل المرشد الراحل. ومع أن تلك المفردات القومية أخذت تتسلل على استحياء إلى الإعلام الرسمي، ولاسيما في عهدي الرئيس الوسطي الراحل السيد علي أكبر هاشمي رافسنجاني المعروف بانفتاحه، والرئيس المستنير السيد محمد خاتمي، لكن اللافت هذه المرة أن المرشد نفسه لم يجد حرجًا أو غضاضة من ترديدها! ومن تلك المفردات ما تمجد التاريخ “العريق” للشعب الإيراني الذي وصفه المرشد في خطابه الأخير بالعظيم، مذكّرًا ترامب بأن إيران مترامية الأطراف وتملك شعبًا كبيرًا. والواقع أن النزعة القومية الفارسية ظلت على الدوام حاضرة في أذهان وبواطن مُنظّري وقادة الإسلام السياسي الشيعي الإيراني، وإن كانت خافتة أو أقل ظهورًا في عهد المرشد المؤسس الخميني.
وهو نفسه وفي حوار طويل معه نشرته “السفير” البيروتية وأجراه الصحافي المصري محمد حسنين هيكل في فرنسا عشية عودته المظفرة إلى بلاده عندما أثار معه مسألة تسمية “الخليج العربي” الذي يصر الشاه بشكل استفزازي على تسميته “الخليج الفارسي” وعد بتسميته “الخليج الإسلامي” بعد انتصار الثورة، لكن لعله وجد نفسه بعدئذ غير قادر على تغيير تلك التسمية الشاهنشاهية، حتى بدا النظام الجديد بعد إسقاط نظام الشاه أكثر ترويجًا لها وبشكل وسواسي، كما بدا أكثر حساسية إذا ما مارست الدول العربية الخليجية حقها المشروع في تسميته “الخليج العربي”! دع عنك إصرار النظام الجديد أيضًا على التشبث بالجزر الإماراتية العربية الثلاث ورفض اللجوء إلى القضاء الدولي (محكمة العدل الدولية) لتسوية هذه القضية المزمنة.
بطبيعة الحال ليس ثمة عيبًا لأية أمة أو شعب أن يفتخر بحضارته كالشعب الإيراني، وقد كانت حضارته عظيمة بلا شك، وتراثها يُعد واحدًا من أهم روافد الحضارة العربية الإسلامية، لكن من المعيب تغييب ذكر الحضارة العظيمة الأخيرة وما للعرب من دور ريادي فيها، ومن ثم الاقتصار على الاعتزاز بالحضارة الفارسية القديمة، لا بل من المعيب بشكل أكبر أن نجد أحزاب الإسلام الشيعي العربي وجماهيرها منساقة بشكل أعمى خلف تلك السردية القومية الفارسية، حتى تبدو في كثير من الأحيان فارسية أكثر من الفرس في تبعيتها العمياء.
كاتب بحريني