كان واحدًا من أكبر الأخطاء التي وقع فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب - خلال المواجهة الإسرائيلية الإيرانية - رفعه شعار إسقاط نظام جمهورية إيران الإسلامية، العضو في الأمم المتحدة ووكالاتها، وجعله ضمن بنك أهدافه في سياق تحالفه العسكري المشترك مع إسرائيل لضرب المنشآت النووية الإيرانية، وهو لم يتورع عن التهديد بقتل القائد الأعلى للنظام، المرشد علي خامنئي، مصرحًا: “نعرف مكان اختبائه لكن لن نقتله حاليًّا”، الأمر الذي لا يتنافى والشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة ومبدأ التعايش السلمي بين الدول ذات الأنظمة الاجتماعية المختلفة فحسب، بل وكأنما تجربة الغزو الأميركي للعراق - الجار لإيران - بإسقاط نظامه من الخارج عام 2003 والتي تورط فيها الحزب الجمهوري الحاكم (نفس حزب الرئيس الحالي) غائبة تمامًا عن أذهان أركان الإدارة الجمهورية الحالية، بكل مآلاتها وتبعاتها الكارثية، والتي ما فتئ الشعب العراقي يدفع ثمن فواتيرها من قوته ودمائه وعمرانه وخدماته المستحقة.
إن تلك المآلات والتبعات أثبتت فشل ذلك الغزو فشلًا ذريعًا، بل وانكشفت ذرائعه لإقامة نظام ديمقراطي جديد يحل مكان نظام الدكتاتور السابق صدام حسين، وللتخلص مما تبقى لديه من أسلحة دمار شامل. فقد تبين لاحقًا التضخيم الهائل والمبالغات التي مارستها الإدارة الأميركية برئاسة بوش الثاني بكل السُبل، بما في ذلك أكذوبة وزير دفاعه الراحل كولن باول الشهيرة أمام مجلس الأمن في شتاء العام 2003 بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل لتبرير غزوه في ربيع العام نفسه، وهو الوزير نفسه المتهم بارتكاب جرائم حرب في فيتنام.
في ذلك الوقت أيدت أحزاب وحركات المعارضة الشيعية في الخارج الغزو الأميركي، بوهم الخلاص من النظام الدكتاتوري السابق وإقامة نظام “ديمقراطي”، فيما عارضته قوى يسارية وديمقراطية، ومكنت سلطات الاحتلال القوى المؤيدة من الوصول إلى السلطة، وتم ذلك تحت حراب المحتل وفق دستور مسلوق سلقاً في مدة قصيرة نسبيًّا، وبقية الحكاية معروفة ما زلنا نتابع فصولها الكارثية الدامية، لعل أخطرها فشل تلك السلطة الذريع في صد غزوة “داعش” الإرهابية (حدث الفشل خلال ولاية رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي) بتواطؤ مكشوف من قِبل حامية مدينة الموصل، ثم تمكن التنظيم من بسط إمارته على مساحة شاسعة من العراق، فارتكابه عشرات أو مئات المجازر الجماعية بحق فئات ومكونات أساسية من النسيج الاجتماعي بعد أن كفّرها مسبقًا، ناهيك عن جرائم العمليات الانتحارية العشوائية التي ارتكبها انتحاريوه على هوية المدن والمناطق، والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأبرياء المدنيين، من بينهم أطفال ونساء وشيوخ. كما جرى استشراء معاقل الفساد وتمركزها في مفاصل الدولة على أيدي محاسيب تلك القوى والحركات الفئوية التي هللت للغزو، وشاعت ممارسات لا تتفق وروح الديمقراطية وحرية الرأي. أضف إلى ذلك فُرض عُرف المحاصصة الطائفية المقيت، وهو الآخر مجلبة لنشر الفساد ووفق قسمة “ضيزى”. وحتى شعار “حق التداول في السلطة” بقي محصورًا بين أحزاب وقوى الإسلام السياسي الشيعي وائتلافاته، مع تطعيمه ببعض القوى السياسية والإسلامية الأخرى التي جرى استضعافها ولا حول لها ولا قوة. وسادت قوة نفوذ المليشيات الموالية لطهران، وأخذت تأتمر بأوامر الأخيرة، بل وتغض النظر عن تدخلاتها لتقرير القضايا الداخلية الكبرى.
علاوةً على كل ما تقدم فإن الجيش الأميركي نفسه تكبد مئات القتلى بفعل أعمال العنف التي واجهها، دع عنك آلاف المرضى الذين مازالوا يتعالجون في الولايات المتحدة من سموم أسلحة جيش الغزو نفسه، وهي نفس السموم التي تضررت منها كثرة من الشعب العراقي، هذا بخلاف العديد من المرضى من قوات الغزو نفسه الذين مازالوا يتلقون علاجًا نفسيًّا؛ جراء الصدمات التي تعرضوا لها في العراق.
على أن الإدارة الأميركية الجمهورية الحالية بقيادة ترامب لا يبدو قد خطر ببالها ذلك الحصاد الكارثي واتعظت من تجربة غزو العراق وهي ترفع شعار تغيير النظام الإيراني، لا بل لم تتدارس أصلًا ما هو موقف الشعب الإيراني وقوى المعارضة من مشروع إسقاطه من الخارج؟ وما هو موقفه من العمليات العسكرية التي نفذتها واشنطن مؤخرًا بضرب المفاعلات النووية الثلاثة؟ ذلك ما سنجيب عليه في المقال القادم بإذن الله.
*كاتب بحريني