العدد 6094
السبت 21 يونيو 2025
المواجهة العسكرية الإسرائيلية الإيرانية.. قراءة في المواقف الإقليمية والدولية
السبت 21 يونيو 2025

في المواجهة العسكرية الحالية بين إسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والتي ميدانها السماوات، ينشغل المحللون السياسيون والرأي العام الإقليمي بوجه خاص، والرأي العام بوجه عام، بعدد من التساؤلات المهمة: ما هي آفاق استمرار هذه المواجهة بالغة الخطورة؟ وهل ثمة فرص لإطفاء نيرانها المشتعلة على مقربة من أهم منطقة لآبار النفط والغاز في العالم؟ هل تتوسع رقعة هذا النزاع العسكري إلى حرب إقليمية شاملة قد تفضي إلى حرب دولية؟

مما لا شك فيه أن الإجابة على هذه التساؤلات تستلزم طرح مقاربات من قراءة أهداف الطرف ونوايا الطرف المعتدي، كما تستلزم تباعًا قراءة متفحصة في المواقف الإقليمية والدولية والأدوار التي يمكن أن تلعبها لوقف الحرب أو تصعيدها.

أولًا: فيما يتعلق بأهداف الطرف المعتدي، فمن الواضح جيدًا أن إسرائيل هي الطرف الذي بادر للهجوم العسكري على جمهورية إيران الإسلامية، الدولة المستقلة ذات السيادة والعضو في الأمم المتحدة، كما بادرت بتأييدها بقوة ودعمها حليفتها الكبرى الولايات المتحدة، العضو في الأمم المتحدة وواحدة من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، والتي تمتلك حق الفيتو لإجهاض أي قرار لا يتفق وسياساتها. وكلتاهما - إسرائيل وأميركا - لا تخفيان ذريعة الهجوم العسكري بالاتهام الصريح لطهران بأنها على وشك تصنيع وامتلاك أسلحة نووية تهدد أمن وسلامة إسرائيل، فيما أكد مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافييل غروسي قبل أيام عدم وجود دليل على قيام إيران بنشاط ممنهج لتطوير طاقتها النووية إلى سلاح نووي.

وعلى العكس من ذلك فإن إمعان إسرائيل بضرب المفاعلات الإيرانية هو الذي بات يهدد بتسرب إشعاعاتها النووية إلى مناطق واسعة مأهولة بالسكان، ليس داخل إيران فحسب، بل وإلى دول الجوار. كما لا يخفيان أن واحدًا من جملة أهدافهما القضاء على القائد الأعلى في الدولة المعتدى عليها (المرشد السيد علي خامنئي) وتغيير النظام فيها، وهي مرامي بالغة الخطورة لا تتفق والشرعية الدولية.

ثانيًا: فيما يتعلق بموقف الدول الغربية، فمعظمها ممالئ أو مؤيد أو ملتزم الصمت والترقب حيال الاعتداء الإسرائيلي. وإذا ما اتخذنا من بيان مجموعة الدول السبع التي تتكون من دول معظمها غربية مقياساً لذلك، فقد أيّد البيان ضمنياً مشروعية الاعتداء، بتأكيده حق الطرف المعتدي في الدفاع عن نفسه، إذ يتهم البيان الطرف المعتدى عليه أنه المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار والإرهاب في المنطقة، ودعا إلى حماية المدنيين وعدم التصعيد! ولربما فرنسا، ورغم معاداتها للنظام الإيراني، هي الاستثناء الوحيد بعض الشيء من ذلك، حيث صرح رئيسها مانويل ماكرون بأن “تغيير النظام في إيران من خلال التدخل العسكري سيكون أكبر خطأ اليوم لأنه سيؤدي إلى الفوضى”، مشدداً على أهمية استئناف المفاوضات، ومبديًا معارضته لضرب المفاعلات النووية ومهاجمة المدنيين.

ثالثا: فيما يتعلق بدول الإقليم -مجلس التعاون خصوصًا - فقد أدان المجلس خلال اجتماع استثنائي “الاعتداءات الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية التي تمس سيادتها وأمنها، وتمثل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”، مؤكدًا ضرورة العودة إلى المسار الدبلوماسي.

ومن الواضح حتى الآن أن إسرائيل وحليفتها الكبرى الولايات المتحدة لا تعبآن بتلك المواقف، وكلتاهما تستغلان العزلة الدولية المديدة التي وضعت إيران نفسها فيها منذ قيام ثورتها وتأسيس نظامها الحالي. لكن في الظروف الراهنة، وحيث النزاع العسكري بات يأخذ منحى بالغ الخطورة يهدد سلامة الشعب الإيراني وشعوب المنطقة، فإن مسألة ممارسة أقصى أشكال الضغوط الممكنة على إسرائيل، باعتبارها الطرف المعتدي باتت مسألة ملحة وذات أولوية قصوى فوق أية اعتبارات أخرى. وهذا يتطلب في المقام الأول أن تمارس دول الإقليم، والذي يهدد استمرار المجابهة العسكرية مباشرة أمنها وسلامتها، أن تمارس وتكثف أقصى جهودها الدبلوماسية لحمل الدول الكبرى الصديقة المحايدة في المجابهة (الصين وروسيا وفرنسا خصوصًا) بأن تبذل أقصى ضغوطها لحمل الطرف المعتدي على وقف عدوانه على إيران فورًا، سواء من خلال تفعيل أدوات الأمم المتحدة ومجلس الأمن إن أمكن، أو من خلال أسلوب الوساطات المباشرة فرادى أو جماعة، للعودة إلى طريق المفاوضات بين حليفة إسرائيل الولايات المتحدة من جهة وبين إيران من جهة أخرى وبأسرع الآجال الممكنة.

 

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية