العدد 2770
الأحد 15 مايو 2016
banner
نكبة فلسطين والنكبات العربية المتتالية
الأحد 15 مايو 2016

الخامس عشر من مايو عام 1948م يوم النكبة العربية الأولى في فلسطين، في هذا اليوم بدأ اسم فلسطين يزول شيئًا فشيئًا من خارطة الوطن العربي، وأعلن عن قيام الكيان الصهيوني على أرضها. في هذا اليوم بدأ التشتت الفلسطيني حيث راح شعبها يبحث له عن أرض ثانية في شرق الأرض ومغربها، يبحث عن مأوى في بلادٍ عربية أو أجنبية، حاملاً أثقاله وهمومه لعله يجد لها مرتعًا ومكانًا له ولأسرته. إنه يوم نكبة الإنسان الفلسطيني أولاً والعربي ثانيًا، فتراهم في زوايا جميع مُدن آسيا وأفريقيا وأوروبا وأستراليا وفي أميركا، وهناك منهم من تمسك بمفاتيح بيته وجلس ينتظر العودة إلى داره التي أُبعد عنها قسرًا وظُلمًا وعدوانًا.
إنه حدث استثنائي في تاريخ شعوب الأرض، عصابة تساندها دول غربية طردت شعبًا بأكمله من أرضه، ومارست ضده المجازر الدموية لإخلائه من الأرض، وهُدمت المساكن وأقيمت محلها مستوطنات صهيونية أتى سُكانها من كل بقاع الدنيا تحت ذريعة أرض الميعاد، يدعون كذبًا بأنها أرض الله التي وعد بها الله بني صهيون للإقامة والعيش بها في توراتهم التي زيفوها لخدمة مصالحهم ومصالح القوى الغربية التي وضعتهم كخنجر في الخاصرة العربية. عشرات المجازر وربما المئات حدثت، حروب خاضها العرب مع هذه العصابة بأسلحة وقوى غير متكافئة، أسلحتهم أقوى وجنودهم متفوقون في جهوزيتهم، وإيمانهم باحتلال أرض الغير أقوى من إيمان أهلها والعرب بتحريرها منهم. إنه الحق الذي لم ندافع عنه بصلابة، إنها الأرض التي ضاعت منا وقبلها إقليم الأحواز العربي 1925م، ولواء الاسكندرون 1939م، وبعد فلسطين احتل العدو الصهيوني هضبة الجولان 1967م، وإيران الجزر العربية الثلاث 1971م، فاحتلال العراق من قبل القوات الأميركية والإيرانية والصهيونية.
لم تكن نكباتنا فقط احتلال أجزاء من أراضينا العربية، بل تم توقيع اتفاقيات مع العدو المحتل، وإقامة علاقات دبلوماسية معه، وصفقات تجارية مع مؤسساته التجارية، وتنظيم زيارات سياحية بين شعبنا العربي وشعوب الدول المُحتلة لأراضينا العربية. لقد عانى شعبنا العربي نكباته بالصوت والصورة، رأى العالم أجمع تلك النكبات وتداعياتها السياسية والاقتصادية والجغرافية علينا كشعب عربي، ولكن حكوماتنا العربية ظلت حبيسة القرارات الدولية التي طالبتها دائمًا بضبط النفس، بينما تمكن هذه القرارات العدو الصهيوني من السير في سياساته العدوانية بدون أية محاسبة من المنظمات الدولية على أفعاله، فهذه المنظمات هي مؤسسات تابعة للقوى الغربية المسيطرة على إصدار القرارات الدولية وتنفيذها، تنفيذها إن لم يكُن بالحسنى فبالقوة العسكرية، ولا تتمكن أية دولة في العالم غير الدول الغربية من الامتناع عن قبول أو تنفيذ هذه القرارات وخصوصا نحن الدول العربية.
الشعب الفلسطيني بعضه مُتمسك بحق العودة، ويتألم هؤلاء كل يوم من التشتت والضياع في بقاع الأرض، لكن الاتفاقيات التي وقعتها بعض الحكومات العربية والسلطة الفلسطينية لم تبحث في طياتها مأساة الشعب الفلسطيني الإنسانية وتشردهم خارج بلادهم واحتلال ديارهم، بل إن هذه الاتفاقيات مددت كثيرًا فترة بقائهم لاجئين وإلى الأبد. وسنة تلو الأخرى تم تحويل المدن الفلسطينية إلى مدن صهيونية، وتم محو جغرافيتها وتاريخها العربي واستبداله بتاريخ عبري. 68 عامًا قضاها معظم الشعب الفلسطيني بعيدًا عن أرضه ودياره،  يتطلع الفلسطينيون إلى تحقيق أمل العودة، ومازالوا يتوسدون كل ليلة بالوعود الكاذبة فلسطينيًا وعربيًا وصهيونيًا ودوليًا. كذبوا جميعهم خصوصا الصهاينة الذين يدعون أن “أيديهم ممدودة من أجل تحقيق السلام”، بينما عتادهم موجه إلى صدور رجال ونساء وشباب وأطفال فلسطين في كل يوم، وآلياتهم الميكانيكية تهدم في كل يوم بيتًا من بيوت الفلسطينيين إن لم يكن أكثر، فأي سلامٍ هذا الذي ينشدونه ويدعون إليه؟
الكيان الصهيوني قوي بما يملك من قوة السيطرة على الأرض الفلسطينية وهيمنته على قرارها، وقوي بما يملك من المال الذي يتدفق إليه من عواصم الغرب وواشنطن ومن أمكنة كثيرة، وجيشه دائمًا في حالة تأهب عند الحدود. حماية هذا الكيان المغتصب ليس فقط في الداخل بل أيضًا من الخارج، فكل الإدارات الأميركية والغربية الغابرة منها والقادمة تؤكد وتقسم على دعم وحماية هذا الكيان. العدو الصهيوني لن يتخلى عن القدس، وقال أفيجدور ليبرمان (وزير خارجية العدو الصهيوني من 2009م حتى 2015م) “من حقنا في احتفالاتنا بعيد الاستقلال أن نؤكد أن القدس شمالها وجنوبها شرقها وغربها، كلها تحت سيادة إسرائيل، هذه هي عاصمتنا الأبدية ولن يتم تقسيمها، لا بشكل مباشر أو غير مباشر”. وهو تأكيد أعلنه رئيس وزراء العدو الصهيوني (مناحيم بيغن ــ بأن القدس هي عاصمتنا الأبدية والموحدة). وأكثر ما يُقوي العدو الصهيوني هو ضعفنا العربي.
تمر نكبة فلسطين في ذكراها الثامنة والستين ونحن نعيش في دائرة مليئة من النكبات العربية، نكبات أتت من منظمة داعش الإرهابية صنيعة العواصم الغربية ومن الجار الإقليمي الطائفي البغيض الكاره للحق والسلام. وإذا بقت أوضاعنا على ما هي عليه ستتوسع دائرة نكباتنا أكثر وأكثر.

صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية