العدد 6490
الأربعاء 22 يوليو 2026
مشروعي الأول لم يفشل… لكنه أعاد تشكيل طريقي في ريادة الأعمال
الإثنين 08 ديسمبر 2025

في بداية أغلب محاضراتي في الجامعة، وفي أحد دروس مقرر الابتكار وريادة الأعمال تحديداً، اعتدت أن أطرح سؤالاً بسيطاً على الطلبة لتحفيز التفكير الريادي قبل الدخول في الموضوع. وفي ذلك اليوم وجّهت سؤالاً عاماً: "من منكم لديه مشروع ريادي يرغب في مشاركتنا آخر تطوراته؟" أجاب أحد الطلبة، وكنت أعلم مسبقاً أنه خاض تجربة مشروع توقفت لأسباب معينة، فسألته: "لو عاد بك الزمن، هل كنت ستكرر مشروعك الأول؟".

ابتسم وقال: "لم يفشل… لكنه كان مدرستي الأولى". كانت تلك الجملة كافية لتفتح باباً واسعاً للحوار في القاعة الدراسية، وتحوّل التجربة الفردية إلى حالة تعليمية يستفيد منها الجميع. ومن هنا تبدأ القصة.

الدرس الأول: لا تبدأ مشروعك قبل أن تفهم القوانين

قبل أن يُطلق الطالب مشروعه، لم يكن على دراية بالأنظمة الرقابية الخاصة بالتطبيقات التجارية، ولم يدرك أن الإجراءات القانونية هي الأساس الذي يقوم عليه أي مشروع. وعندما بدأ العمل، تعرض لتأخيرات طويلة في استخراج التراخيص، الأمر الذي عطّل إطلاق المشروع، وأربك خطته بالكامل، وأفقده جزءاً من حماس البدايات.

لقد اكتشف أن الشخص الريادي الذي يفهم القوانين يحمي مشروعه من الفشل قبل أن يبدأ، ويختصر على نفسه شهوراً من التوقف غير المبرر، لأن القوانين ليست إجراءً ثانوياً، بل شرطاً وجودياً لأي مشروع ناشئ، خاصة في المشاريع الرقمية التي تخضع لرقابة وتشريعات واضحة.

الدرس الثاني: المال يحتاج خطة… وليس حماساً

بعد تجاوز العقبات القانونية، اصطدم الطالب بواقع جديد: التكاليف تتصاعد بشكل غير متوقع. الإعلانات الرقمية، الصيانة التقنية، الدعم الفني… جميعها استنزفت ميزانيته المحدودة خلال أسابيع قليلة، ليتبيّن له أن تقدير التكاليف كان أقرب إلى الافتراض منه إلى التخطيط.

تُظهر تحليلات منشورة في مجال ريادة الأعمال أن التخطيط المالي الضعيف من أكثر الأسباب شيوعاً لتعثر المشاريع الناشئة، وأن غياب رؤية مالية واضحة يرفع احتمالات التوقف المبكر لأي مشروع. وهكذا تعلّم الطالب أن الحماس لا يمكن أن يكون بديلاً عن الخطة، وأن بناء سيناريوهات مالية للطوارئ ليس رفاهية، بل عنصر أساسي في بقاء أي مشروع.

الدرس الثالث: لا تطلق مشروعك قبل أن تتحقق من وجود مشكلة حقيقية

أطلق الطالب التطبيق معتقداً أن التجار سيتفاعلون معه فوراً، لكنه صُدم بعدم التفاعل المتوقع، ليتبيّن له لاحقاً أن فهمه لحاجة السوق كان مبنياً على افتراضات شخصية لا على بيانات حقيقية. فقد افترض أن الجميع يعاني المشكلة نفسها، وأن الحل الذي يراه مناسباً لنفسه يناسب الآخرين بالدرجة ذاتها.

ووفق تحليل CB Insights لأسباب فشل الشركات الناشئة، فإن 42% من هذه الشركات تفشل لأنها تقدّم منتجات لا يحتاجها السوق فعلاً، أي لغياب ملاءمة المنتج للسوق (Product-Market Fit). وهكذا أدرك الطالب أن نجاح المشروع لا يبدأ من الفكرة وحدها، بل من التأكد من وجود مشكلة حقيقية تستحق الحل؛ فالفكرة تظل أساساً، لكن القيمة تتحقق عندما تعالج حاجة فعلية وواقعية في السوق، يُعبّر عنها العملاء ويشعرون بها يومياً.

الدرس الرابع: العقد يحمي مشروعك… وليس الثقة

تعثر المشروع أكثر عندما توقّف المطوّر الخارجي فجأة عن العمل، مما أدى إلى تأخير الإطلاق لثمانية أسابيع، وخلق حالة من القلق حول مصير التطبيق نفسه. وتعلم الطالب أن العلاقات الطيبة لا تُغني عن العقود، وأن أي تعاون يجب أن يُوثّق باتفاق واضح يحمي الحقوق، ويضمن سير العمل دون مفاجآت.

لقد أدرك متأخراً أن الثقة مهمة في التعامل الإنساني، لكنها وحدها لا تقود مشروعاً ناجحاً، وأن ريادة الأعمال تحتاج إلى مزيج من العلاقات الطيبة والأطر القانونية الواضحة في آن واحد.

الدرس الخامس: غيّر خطتك عندما يتغير السوق

بعد الإطلاق، بدأت ملاحظات المستخدمين تتوالى، وكان بعضها مهماً، لكن الطالب تمسك بالخطة الأولى دون أي تعديل، فانخفض التفاعل وتراجعت مؤشرات الأداء، وكأن المشروع يتقدّم في طريق لم يعد مناسباً. واكتشف أن العناد نقطة ضعف قد تطيح بأفضل الأفكار والمشاريع الريادية، وأن الاستماع للمستخدمين وتطوير المشروع معهم خطوة حيوية في سوق سريع التغيّر، حيث لا يبقى ثابتاً إلا من يختار أن يخرج من المنافسة مبكراً.

الدرس السادس: الفشل ليس النهاية… بل بداية الوعي الريادي

خرج الطالب من تجربته الأولى بوعي لم يكن ليكتسبه لولا خوض التجربة فعلياً. أدرك أن الفشل الظاهري لا يعني نهاية الطريق، بل قد يكون محطة ضرورية تساعد رائد الأعمال على رؤية الصورة بوضوح أكبر (The Big Picture).

وتعلم كيف يخطط، وكيف يوازن بين متطلبات الفكرة والقوانين والتمويل، وكيف يحوّل الدروس النظرية إلى سلوك عملي في مشروعه القادم. لقد أصبحت التجربة الأولى بالنسبة له بوابة وعي، وليست محطة توقف، وتحولت إلى مرجع شخصي يعود إليه كلما فكر في خطوة جديدة.

الخاتمة: شغف ينهض… وإصرار لا ينكسر

مهما كانت التجربة الأولى مليئة بالعثرات، فإنها ليست سوى بداية الطريق. فريادة الأعمال لا تُصنع من نجاح أول، بل من وعي يتشكّل بعد كل تعثر. واليوم، وهو يستعد لإطلاق مشروعه الثاني، يحمل الطالب يقيناً واحداً: الطريق إلى النجاح لا يُفتح إلا لمن يصرّ على عبوره، مهما طال أو زادت تحدياته.

فلتكن بداية التفكير في أي فكرة ريادية بخطوة أولى نحو عملٍ أقرب للنجاح وأكثر وضوحاً وواقعية؛ مسارٍ تقوده الرغبة في التعلّم، وتدعمه المعرفة، ويصنعه الإصرار.

* أكاديمي بحريني

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية