يأتي يوم المرأة البحرينية هذا العام بهوية بصرية جديدة وشعار يحمل رسالة واضحة: "المرأة البحرينية… تميّز، إبداع، ابتكار". وهي عبارة لا تعبّر عن الاحتفاء بالمنجزات فقط، بل تجسّد تحول المرأة إلى فاعل رئيسي في إنتاج المعرفة وصناعة التغيير داخل الأسرة والمجتمع، ومساهم أساسي في تنمية الوطن. فهذه الهوية ليست إطاراً احتفالياً، بل انعكاساً لموقع المرأة في قلب التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المملكة، حيث أصبح حضورها عنصراً جوهرياً في بناء منظومة عمل حديثة ترتكز على المهارات والمرونة والإبداع.
وقد عززت التحولات الرقمية والمعرفية دور المرأة بوصفها قوة إنتاجية داخل اقتصاد يتجه بسرعة نحو التقنيات الحديثة، الأمر الذي يفرض تهيئة بيئات عمل تتفهم احتياجاتها الأسرية وتستوعب متطلبات حياتها اليومية، بما يرفع قدرتها على الاندماج والإنتاج ويجعل بيئة العمل أكثر توافقاً مع مسؤولياتها. ويتعزز هذا الحضور من خلال أدوار المرأة المتنامية في مجالات التعليم والصحة والهندسة والتقنيات المتقدمة، حيث تنتقل بانسيابية بين مهام العمل وتحولات السوق، مما يجعلها جزءاً من ديناميكية الاقتصاد المتجدد.
ويمتد هذا الدور ليأخذ بعداً اقتصادياً أوضح، إذ يتسق مع رؤية البحرين 2030 التي تضع تنمية رأس المال البشري في قلب المشروع الوطني. فاقتصاد اليوم يعتمد على مهارات متنوعة وموارد بشرية مرنة قادرة على الابتكار، وهو ما يجعل تمكين المرأة أحد أهم عناصر تعزيز التوازن الهيكلي في سوق العمل، وداعماً لتحول البحرين نحو اقتصاد معرفي تنافسي قادر على خلق فرص تنموية ذات قيمة عالية.
ولا يقف أثر التمكين عند حدود الاقتصاد، بل يصل مباشرة إلى الأسرة بوصفها مركز الاستقرار الاجتماعي. فعمل المرأة لا يتعارض مع دورها الأسري، بل يعزّزه حين تكون الأدوار متفقاً عليها داخل البيت الواحد، بما يحافظ على تماسك الأسرة ويتيح لها الإسهام في رفد اقتصاد الدولة دون الإخلال بمسؤولياتها الطبيعية. ومن هنا، يصبح تمكين المرأة عنصراً داعماً للتماسك المجتمعي، ومصدراً لتنشئة أجيال قادرة على المنافسة وحمل مسؤوليات المستقبل.
وفي هذا السياق، يبرز المجلس الأعلى للمرأة باعتباره المؤسسة الوطنية التي تقود ملف التمكين وفق رؤية استراتيجية متكاملة، تتجاوز البرامج التقليدية نحو سياسات شاملة تعزز جودة سوق العمل، وتدعم بيئات مهنية عادلة وآمنة. وقد نجحت البحرين خلال العقدين الماضيين في رفع حضور المرأة في مواقع صنع القرار، حيث تتبوأ مناصب وزارية مؤثرة مثل وزارة الأشغال، ووزارة السياحة، ووزارة التنمية المستدامة، ووزارة شؤون الشباب. وهذا يعكس ثقة الدولة بقدرة المرأة على إدارة ملفات وطنية حيوية، ويؤكد أن التمكين المؤسسي ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لفتح المجال أمام المرأة للمشاركة في صياغة السياسات العامة وإدارة مسارات التنمية.
ويتكامل هذا المسار مع مرتكزات رؤية البحرين 2030 القائمة على الإستدامة والعدالة والقدرة التنافسية، حيث يسهم التمكين في تعزيز دخل الأسرة البحرينية ورفع جودة الحياة لجميع أفرادها من خلال إدماج النساء في وظائف ذات قيمة مضافة، وزيادة الإنتاجية الوطنية، وتوسيع قاعدة الاقتصاد المعرفي. كما ينتقل أثر هذا التمكين من نطاق الأسرة إلى نسيج المجتمع وبنية الاقتصاد الوطني، ليصبح عنصراً مؤثراً في تعزيز التماسك الاجتماعي وتقليل الفجوات التنموية.
ويرتبط تمكين المرأة بصورة مباشرة بعدد من أهداف التنمية المستدامة، إذ يسهم في تطوير رأس المال البشري بما يتصل بـ جودة التعليم (الهدف 4)، ويرفع مستوى الإنتاجية الوطنية ويدعم النمو الاقتصادي بما ينسجم مع العمل اللائق والنمو الاقتصادي (الهدف 8)، ويعزّز الاستقلال المالي للمرأة على نحو ينعكس مباشرة على القضاء على الفقر (الهدف 1)، كما يساهم في المساواة بين الجنسين (الهدف 5) و الحد من عدم المساواة (الهدف 10)، إضافة إلى دوره في تعزيز الاستقرار المؤسسي والاجتماعي المرتبط بـ السلام والعدل والمؤسسات القوية (الهدف 16). ومن خلال هذا التكامل، تصبح المرأة فاعلاً استراتيجياً يسهم في تشكيل ملامح الاقتصاد البحريني الجديد، وليس مجرد مستفيد من برامج التنمية.
إن قراءة مسار تمكين المرأة في البحرين تُظهر أنه خيار وطني استراتيجي يعيد تشكيل بنية الاقتصاد والمجتمع بروح العدالة وتكافؤ الفرص، ويترجم توجهات الدولة في رفع جودة الحياة وتعزيز تنافسية الاقتصاد. فالاستثمار في المرأة هو استثمار مباشر في رأس المال البشري، وفي قدرة الدولة على خلق فرص عمل جديدة للمواطنين، وتحسين الكفاءة الإنتاجية، وتعزيز الأمن والاستقرار الاجتماعي. وحين تُمنح المرأة مساحة لتسهم بكفاءتها وطاقتها المعرفية والمهنية، يتقدّم الوطن بخطوات ثابتة نحو المستقبل، ويولد اقتصاد أكثر قدرة على حماية مؤسساته وصون كرامة الإنسان. فالتمكين ليس مجرد سياسة، بل قصة وطن يفتح أبوابه لكل عقل مبدع وطاقة مخلصة، لأن النهوض لا يصنعه فرد واحد، بل شراكة متكاملة بين المرأة والرجل. ومع استمرار هذا المسار، تبدو البحرين مهيأة للدخول في مرحلة أكثر نضجاً من التمكين، ترى فيها المرأة شريكاً استراتيجياً في الحاضر وصانعة لنهضة تمتد نحو أفق 2050، ليكون المواطن والوطن معاً في قلب أهداف التنمية وغاياتها الاستراتيجية.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |