الحوار والجدل لكل منهما دلالة وأثر، وهما لا يلتقيان فالحوار هو تُحادث وتجاوب في الكِلم والنطق، وفي طياته رغبة إبانة، ونشدان فهم، وإدراك توافق وتباين، بل فيه فسحة تنوع رؤى ومراجع، ومأمول نجاح حين يُحاوط ذلك أدب إصغاء، وتجرد من سابق حكم واستنباط.
قيل أن مفردة حور جذر لغوي لكلمة الحوار، ومعنى ذلك رجوع عن الشيء أو تعديل فهم. والعرب تقول؛ حوّر الكلام أي غيّره، وفيه جديد كشف وإيضاح وتلاقح رأي، وقد يلوح فيه أحيانا ريب وتصويب.
الأفراد والمجتمعات والدول تقتضي الحوار، بُغية فتح آفاق ورفع حواجز، ودفع تقارب، وكشف مُخبئ ومكنون ورغبة وتوجه، وفي ذلك تثمير فهم، وتفاعل علائقي وحضاري، وتخصيب رأي بين طرفين، وهذه حتمية الحقيقة الإنسانية.
أما الجدل فهو استحكام الشيء في اِسترسال يتضمن ألفاظ مُحاجة ومناظرة، وقد يلوح فيها خصومة وتكرار كلام، ومظنة تعصب وإصرار على نصرة رأي كان حق أو باطل، وممكن تعسف في إيراد شبهة وظنون تستهدف الآخر.
ولهذا الحوار والجدال لا يلتقيان في النزعة والمضمون، لان الحوار تبادل رأي يُفتح بين الفِرْق والمُختلِف، وفيه أمل إلى حراك وإستيفاء ما هو ممكن ومفيد، ونظر في كليات الأمور لا استغراق في جزئيات تهدر ولا تضيف.
هنالك بعض لوازم وإدراك مفاهيم تؤهل حوار مثمر ومستمر، إذا فيه حسن نوايا وتجرد من سابق حكم، وهي كالتالي؛
الأنسْنَه
الْمُتَحَاوِرُون أياً كانوا هم بشر وبني الإنسان، وفهمهم أنهم كذلك يجعلهم يتحرروا من ضيق جغرافيه وعِرق وتعصب انتماء. لذا هم جزء من بشريه جمعاء يهمهم تعايش وسلام. والأنسْنَة بمعنى واسع أن تكون إنسانا، والذي فيه تلاقي مقاصد وقِيم الأمم، وكذلك توصي به نضج تجارب البشر عبر الأزمان، وتوَّج قِطافُها دساتير منظومه وقوانين محكومه وترقي حضاري.
الدين والتدين
الدين آلهي مقدس وهو مُنزل وثابت بالوحي له توقير وأحترام، والتدين هو ممارسة بشرية بدأً بتفسير وتأويل الدين المقدس وانتهاءاً بتدريسه وتطبيقه. التدين هو بشري لا ينبغي أن يفرض أحدا عليه وصايه أو احتكار فيه، أو يلغى بسببه الآخر، ويعطل مفهوم تجديد واجتهاد وعصرنة. هذا المفهوم أي الدين والتدين دقيق المعنى واللبس فيه وارد، بل تزل به الأقدام لمن لا يملك زمام الحكمة والدراية المعرفية في ماهية التمييز بين الدين والتدين، ويمتد هذا في أحترام وتوقير كل من أسهم في مفهوم التدين عبر التاريخ، ويبتعد عن اتهام نوايا وتقزيم ماضي. بهذا النضج تتسع دائرة قبول الآخر وفهم الأختلاف، وتُبنى لحمة مجتمع وأمن وطن، ويكون سقف القانون جامع ونافع.
سايكولوجية الحوار بين الفِرَق
الفِرَق لا تقبل أن تأتي لإي حوار، وهي مُنتقصه أو تُحاكم. التاريخ يمتلئ بأحداث في سائر الأمم تثبت أن الفِرَق لا تموت حتى لو استعملت معها القوة والإقصاء، بل العكس جذورها تقوى في التحدي. وهذا بديهي في الطبع البشري الذي لا يقبل الإلغاء، وهذا يدفعنا للقول إذا كان هناك حوار بين الطوائف ذات صبغة دينيه وايدلوجية سواء تتشابه او تتباعد، فالحوار عقائديا بينها لا يضيف كثيرا بل قد يزيد الفجوه، لأن مرجعية الفرقاء تختلف، والحق بينهما يُتنازع عليه حتى مع وجود حجج وبراهين. البديل هو إخراج الحوار من عباءته الدينية والتركيز على مقاصد المقدس التي لا يختلف عليها أثنان وهي؛ حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وانعكاسه على سلامة البشر وبناء الاوطان ومفهوم التعايش والانتماء المشترك لجغرافية تضم الجميع، وتكافئ الفرص في الأرزاق وأدوار الحياة كفيل بأن يدفع عجلة التقارب بين الناس المختلفين. هذا الهدف بالتأكيد ياخذ زمن، ومنهجية تتطلب عقلاء من كل الأطراف المعنيه بالحوار وحسن النوايا أساس في كل هذا.
الخروج من قوقعة الجغرافية
كوكب الارض تجاوز ثمانية مليارات من البشر، والإسلام ثاني أكبر ديانة بعد المسيحية، وفي هذا الكوكب عدد هائل ممن ليسوا مسلمين أو مسيحين، وهم الأكثر في هذه العالم. كثير من هذه الأمم وخصوصا المتقدمه منها تعلمت من تاريخها، وفهمت كيف تحدث تنمية وتتعايش فيما بينها، وتخلق دساتير وقوانين تحترم الإنسان، وتجرم انتهاك حقوقه. هذه الأمم أدارت منظومة دولها مدنيا بما استلهمته من موروثها الديني والبشري، وما استطاعت أن تنقله من الأخر. فهم هذه التجارب والانتفاع منها، وموروث فهم المقاصد والمقدس كفيل بأن يضع لبنات فهم التعايش السلمي على هذه الكرة الأرضية.
بادرة مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني هي نموذج ذا قيمة، وتجربة تستحق النظر والاقتفاء، تأسس عام 2003 ليكون البيئة الملائمة الداعمة للحوار الوطني بين أفراد المجتمع وفئاته من الذكور والإناث، وما يحقق المصلحة العامة ويحافظ على الوحدة الوطنية المبنية على العقيدة الإسلامية.
سيبقى الاختلاف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها يقول تعالى؛ ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
| هذا الموضوع من مدونات القراء |
|---|
| ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected] |