العدد 6442
الخميس 04 يونيو 2026
خربشة ومغزى | "اديلارد اوف باث ،، المستعرب السامي ،، درس تاريخ مُلهم"
الأحد 21 سبتمبر 2025

اديلارد أوف باث Adelard of Bath أو ما يُطلق عليه العالم الجوال والمستعرب السامي، سردية حياته تحكي عصره، وكان فيه رفعة ومكانة موروث العرب المسلمين، والغرب حينها في عصور وسطى لا أثر لهم معرفيًّا ولا علميًّا، حتى أخذ بعضهم من علوم العرب المسلمين. زمن مضى وانقضى، وأتى حاضر برز به الغرب في علوم وتقنية تلقّى منهم العرب المسلمون. وهذا درس مُلهم وسُنّة تداول جارية بين الأمم فيها صعود ونزول، وبروز وضمور.

 

وُلد اديلارد وهو أنغلو-ساكسوني في باث، مدينة بإنجلترا عام 1080م، والتحق وهو شاب عام 1100م بمدرسة كاتدرائية بتور في فرنسا. حينها وجد أن طموحه العلمي لم تستوعبه الضوابط الكهنوتية هناك، فَيَمَّم وجهته للشرق عام 1109م سعيًا لتحصيل العلم العربي، فبدأ بأنطاكية التي كانت العربية هي اللغة السائدة، وكانت تشهد تنوّعًا ثقافيًّا وإثنيًّا منفتحًا في تبادل الكُتب والأفكار. بعدها ارتحل بضع سنين أخرى في حواضر مدن العلم المشرقية مثل الشام وغيرها في طلب المعرفة بالعربية التي تعلمها، وقال عن نفسه:
"كنت كلما قرأت درسًا تعلّق قلبي أكثر بالدرس الذي يليه، كما لو أن الذي قرأته ما كاد يفيدني دون الآخر، متوسّلًا بهذا النظام لجَمْ شبابي ومواساة شيبتي".

 

بعض مَن تأثّر بهم اديلارد: ثابت بن قرة، مؤسس علم الاستاتيكا والفلكي في البلاط العباسي، والسيميائي العربي جابر بن حيان الذي عاش في القرن التاسع الميلادي، والخوارزمي، وخصوصًا كتاب زيج السند هند في الفلك والرياضيات الذي استند إلى أساليب فلكية هندية مذكورة في كتابهم سند هند، وقام بترجمته بما فيها نقل الأرقام إلى أوروبا. وكذلك أخذ اديلارد من علماء وفلاسفة آخرين.


تاريخيًّا، لا بد من ذكر أن هناك، قبل عصر اديلارد، أي في القرن التاسع الميلادي، كانت الثقافة العربية لغةً وعلوماً وفنونًا بارزة في إسبانيا، إلى حد يشبه ما وصل إليه تمدّد الثقافة الغربية في مجتمعات العرب والمسلمين اليوم.

 

ومما يُذكر في هذه اللمحة ما نقلته المستشرقة الأميركية دوروثي ميتلتزكي في كتابها المادة العربية في إنجلترا العصور الوسطى عن المطران ألفارو، مطران قرطبة آنذاك، قوله متأسفًا على حالة الاغتراب التي وصل إليها الشبان المسيحيون في الأندلس بتعلمهم العربية بدلًا من لغاتهم الأم. قال: "مَن الذي يستطيع بين المؤمنين عندنا أن يفهم النصوص المقدسة وكتب دكاترتنا الذين كتبوا باللاتينية؟ أليس كل شباننا المسيحيين مهتمين بكل وضوح بتعليمهم الأجنبي، ومتميزين في معرفتهم بالبلاغة العربية؟ إنهم يدرسون الكتب العربية، يقرأونها بعناية، ويناقشونها بحماسة. يا للأسف! المسيحيون جُهّال بلغتهم، اللاتينيون ليسوا مهتمين باللسان الذي يخصهم".

 

ذلك الوضع استمر في الأندلس وامتد إلى أجزاء أخرى من أوروبا لمدة قرون، حتى إذا جاء القرن الثاني عشر كَثُر فيها باحثون أوروبيون في علوم العرب المسلمين، منهم قسطنطين الإفريقي، وروبرت الكيتوني صاحب أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللاتينية، واديلارد أوف باث.

 

استلهم اديلارد من العرب المسلمين علم التجريب والتفكير المنطقي والمعاينة الشخصية، مما جعله بعد رجوعه إلى إنجلترا ذا مكانة دفعت غيره من الباحثين والعلماء إلى أن يتبعوا خطاه في شغف المعرفة من علم النجوم إلى علم الحيوان. بالطبع، هذا الانفتاح المعرفي على الآخر عند اديلارد وآخرين مثله واجهوا به تحدّيًا مجتمعيًّا محليًّا يتمنّع عن الأخذ من الوافد أو قبول الجديد والغريب من غير المألوف عندهم، سيما أن زمنها امتدت به حملات صليبية لم ينفك أوارها، وهي كانت تستهدف المشرق العربي والإسلامي. بالمناسبة، الحملات الصليبية بدأت عام 1095م وكان عمر اديلارد خمسة عشر عامًا، ومع ذلك تمكن وهو في أواخر العشرينات من عمره أن يبدأ رحلاته في طلب العلم.

 

اديلارد حينما عاد إلى إنجلترا تم تكليفه مُدرسًا للأمير هنري الذي أصبح بعدها الملك هنري الثاني. وخلال ذلك الوقت اجتهد اديلارد في توصيل المعرفة التي اكتسبها من العرب في الفلك والهندسة، وترجم إلى اللاتينية نصوصًا عربية نقلها من إسبانيا وصقلية، وكذلك كُتب مثل المجسطي لبطليموس، والجداول الفلكية للخوارزمي، والمبادئ لإقليدس، وهي أقدم نسخة مترجمة لهذا الكتاب نقلت من العربية، وكُتب أبي معشر البلخي.

غادر اديلارد الحياة عام 1152م مخلفًا إرثًا علميًّا في أوروبا امتد أثره إلى اليوم. ولا ندري ما يطويه الغيب مستقبلًا: لمن تكون له دورة التداول، يتسيّد فيها مشهد المعرفة والابتكار والنفع الإنساني؟ علّ قادمٍ خفيٍّ يكون للعرب والمسلمين فيه نصيب يعود.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .