العدد 6489
الثلاثاء 21 يوليو 2026
"نظرية الهيمنة": لماذا تحتاج العولمة إلى قائد؟
الأحد 10 أغسطس 2025

يُظهر تحليل المعاهدات الدولية على مدى القرنين الماضيين أن القوة العالمية المهيمنة تُعزز التكامل العالمي. ويمكن أن يؤدي الانتقال من عالم أحادي القطب إلى عالم متعدد الأقطاب إلى التشرذم، وهو أمر مكلف للغاية بالنسبة للقوة المهيمنة القائمة وحلفائها.

يبدو أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة جديدة من التشرذم، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية وتجدد التنافس بين القوى العظمى. وتُخصص مجموعة متنامية من الأبحاث في مجال الجغرافيا الاقتصادية للدور الاستراتيجي للحكومات، ولا سيما استخدامها للقوة الاقتصادية، في تشكيل العلاقات الاقتصادية الدولية.

في عملنا الأخير، نتراجع خطوة إلى الوراء ونطرح سؤالاً جوهرياً: ما هي العلاقة بين هياكل القوة العالمية والعولمة؟ يُظهر التاريخ أن التحولات في الهيمنة الجيوسياسية متشابكة بشكل وثيق مع تقلبات العولمة. لقد شهد الاقتصاد العالمي موجتين رئيسيتين من التكامل التجاري والمالي: في أواخر القرن التاسع عشر وفي أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين.

وقد اتسمت كلتا الفترتين بهيمنة قوية: بريطانيا خلال فترة السلام البريطاني (باكس بريتانيكا) والولايات المتحدة خلال فترة السلام الأمريكي (باكس أمريكانا). في المقابل، تصدع الاقتصاد العالمي خلال فترة ما بين الحربين العالميتين في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، وهي فترة اتسمت بعدم الاستقرار متعدد الأقطاب وغياب قائد عالمي واضح.

لسنا أول من لاحظ العلاقة بين القوة المهيمنة والعولمة. ففي عام 1973، اقترح الاقتصادي الأمريكي تشارلز كيندلبرجر مفهوم "الاستقرار الهيمني"، الذي يفترض أن القوة المهيمنة ضرورية للحفاظ على اقتصاد عالمي مستقر ومنفتح. لكن الحجج بقيت غامضة بعض الشيء. كيف تُشكل القوة المهيمنة العولمة تحديدًا؟ هل التكامل محتمل في عالم متعدد الأقطاب؟ من الرابح ومن الخاسر من انتقال العالم من نظام أحادي القطب إلى نظام متعدد الأقطاب؟

للإجابة على هذه الأسئلة، نقترح نظرية جديدة حول "العولمة المهيمنة القائمة على الإجماع" ونقدم أدلة تجريبية تستند إلى تحليلنا لمجموعة بيانات من المعاهدات الدولية تمتد على مدى 200 عام.

نظرية العولمة الهيمنية
نظريتنا مبنية على مقدمتين:
1- اختلافات في التوجهات السياسية: تختلف الدول في أنظمة الحكم والمعايير التنظيمية وأنظمة التراخيص وأنظمة العملات.
2- تأثير التنسيق: تزداد فوائد التجارة بازدياد درجة تنسيق السياسات. تُخفّض السياسات المماثلة تكاليف المعاملات وتُقلل "التأثيرات الحدودية"، أي انخفاض كثافة التجارة بين الدول بشكل ملحوظ مقارنة بالتجارة بين مناطق الدولة الواحدة حتى في غياب الرسوم الجمركية.

يُعد دور القوة المهيمنة (المُحدد بالثقل الاقتصادي وجاذبيتها كشريك تجاري) أساسيًا في تشكيل هذا التماسك. واتباعًا لمنهج العلوم السياسية، ننظر إلى الهيمنة على أنها نسبية، ونسمح بتعايش عدة دول مهيمنة.

في عالم أحادي القطب، توازن الدول بين تفضيلاتها السياسية وفوائد توافق سياساتها مع القوة المهيمنة. وتعزز قوة الهيمنة هذه الفوائد، مما يؤدي إلى تقارب السياسات وتعميق التكامل التجاري. هذا يزيد التجارة العالمية والرفاهية في المتوسط، لكنه قد يضر بالدول التي تختلف تفضيلاتها عن تفضيلات القوة المهيمنة. ومع ذلك، يمكن لهذه الدول مواءمة سياساتها إذا كانت فوائد الانضمام للنظام المتكامل تفوق تكاليف الخروج منه.

أما في حالة الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب، فيعتمد تأثير القوة المهيمنة الصاعدة على العولمة على ما إذا كانت تفضل العولمة أم التفتت، وما إذا كانت قادرة على التأثير في النتيجة. إذا اختلفت تفضيلات القوة الصاعدة كثيرًا عن تفضيلات القوة القائمة، سيؤدي ذلك إلى تفتت وانقسام العالم إلى كتل متعارضة.

من حيث الرفاهية، سيكون التحول إلى التعددية القطبية الأكثر تكلفة على القوة المهيمنة القائمة وحلفائها، بينما قد تستفيد القوة الصاعدة وحلفاؤها نسبيًا.

كما تُفسر النظرية الإكراه من قبل قوة مهيمنة راسخة، حيث يمكنها التهديد بقطع العلاقات التجارية مع دول خارج نفوذها، مما يدفع إلى تشكيل تكتلات. يكون الإكراه أكثر فاعلية عندما تكون القوة المهيمنة كبيرة بما يكفي لجذب عدد من الحلفاء، ولكن ليس لدرجة أن يكون التكيف معها طوعيًا بالكامل.

تؤكد الأدلة التجريبية أن الدول المهيمنة أكثر ميلًا لتوقيع المعاهدات والتأثير على سياسات الدول الأخرى، وأن المعاهدات تؤدي إلى زيادة التجارة. كما أن الدول التي تشترك في عدد أكبر من المعاهدات مع نفس القوة المهيمنة تتاجر فيما بينها أكثر من المتوقع.

توضح النتائج أن القوى المهيمنة تدعم التماسك السياسي والعولمة، بينما تؤدي التنافسات الجيوسياسية إلى التشرذم. ومع ذلك، تظل أسئلة مفتوحة حول تغير عدد وحجم القوى المهيمنة وتأثير ذلك على التجارة والنمو الاقتصادي.

مع تحول العالم من نظام أحادي القطب إلى نظام متعدد الأقطاب، ستزداد المخاطر على الرفاه العالمي والمؤسسات الداعمة له.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .