+A
A-

في جلسة واحدة.. "وول ستريت" تمحو ما تنفقه شركات التكنولوجيا في سنة

في جلسة واحدة، محت وول ستريت 797 مليار دولار من القيمة السوقية لشركات "العظماء السبعة" وفق حسابات "بلومبرغ"، وهو مبلغ يقارب مجموع أحدث خطط وتقديرات إنفاقها الرأسمالي السنوي، البالغ ما بين 753 و785 مليار دولار.

تكشف المقارنة حجم الرهان الذي تخوضه شركات التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي، لكنها توضح أيضاً مدى السرعة التي يمكن بها للمستثمرين إعادة تسعير هذا الرهان عند ظهور أي شكوك بشأن العوائد.

وبحسب أحدث المخططات، تنوي "أمازون" إنفاق نحو 200 مليار دولار، و"مايكروسوفت" نحو 190 ملياراً، فيما تتراوح تقديرات "ميتا" بين 125 و145 مليار دولار. 

ورفعت "ألفابت" توقعاتها إلى ما بين 195 و205 مليارات دولار، بينما تتوقع "تسلا" إنفاق أكثر من 25 ملياراً.

أما أبل، فتتبع نهجاً أكثر تحفظاً، إذ يتراوح إنفاقها الرأسمالي المتوقع بين 12 و14 مليار دولار. في حين أنفقت إنفيديا نحو 6 مليارات دولار في سنتها المالية الماضية، وأكدت أن المبلغ سيرتفع من دون تحديد حجمه.

الشرارة الأولى

بدأت رحلة الهبوط المدوي مع ختام جلسة الأربعاء في الولايات المتحدة، بعدما أعلنت ألفابت عن نتائج قوية. ولكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت إعلانها رفع الإنفاق الاستثماري إلى نحو 205 مليارات دولار، وهو ما فاق بكثير توقعات "وول ستريت". 

وفاقم الوضع إعلان شركة تسلا عن أرباح دون توقعات "وول ستريت" بكثير، في وقت أكد رئيسها التنفيذي إيلون ماسك أن الشركة تخطط لإنفاق يتجاوز 25 مليار دولار، قائلاً إن 2026 سيكون "عاماً ضخماً للإنفاق الرأسمالي".

أدت هذه التطورات المتسارعة إلى هبوط مؤشر "بلومبرغ للعظماء السبعة" 4.8% يوم الخميس، في أكبر انخفاض يومي منذ ذعر الرسوم الجمركية في أبريل 2025. وتراجعت أسهم "تسلا" بأكثر من 14% و"ألفابت" بأكثر من 7% يومها.

تغير نظرة "وول ستريت"

توضح جلسة الخميس تغير نظرة "وول ستريت" إلى شركات التكنولوجيا الكبرى. فبعدما كانت خطط الإنفاق الضخمة تدفع الأسهم إلى الارتفاع، أصبح المستثمرون يطالبون بعوائد ملموسة وسريعة، ويعاقبون الشركات التي تزيد إنفاقها الاستثماري. 

وكدليل على آلية العقاب التي باتت السوق تنتهجها، تبرز "أبل" بوصفها الاستثناء. فعلى الرغم من إغلاق سهمها على انخفاض، كان تراجعه الأقل بين شركات المجموعة، بعدما كافأ المستثمرون نهج الشركة الأكثر تحفظاً في بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وارتفع السهم 11% خلال الشهر و18% منذ بداية العام.

وتعتمد "أبل" على نموذج هجين يجمع بين بنيتها الخاصة وشراء القدرات الحاسوبية من شركاء خارجيين، كما تستخدم رقائقها في خوادمها، ما يعني أن جزءاً من تكاليف الذكاء الاصطناعي يظهر كنفقات تشغيلية بدلاً من إنفاق رأسمالي.

هذه المقارنة لا تعني أن الشركات فقدت الأموال المخصصة للاستثمار، ولكنها تظهر بوضوح تزايد القلق في السوق بشأن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، في وقت لا يوجد حتى الآن أي دليل على أن هذا الإنفاق الضخم قد يحقق العوائد التي تبرر هذا الحجم من الإنفاق.

هذا القلق وجد دعماً إضافياً من نتائج "ألفابت" نفسها، فرغم أنها أعلنت عن نتائج قوية، فإن إنفاق 45 مليار دولار في الربع الثاني وحده دفع التدفق النقدي الحر للشركة إلى السالب للمرة الأولى منذ إدراجها. 

ونقلت "بلومبرغ" عن جيسون لومير، كبير مسؤولي الاستثمار لدى "بولد ويلث بارتنرز": "يشير ذلك إلى أن المخاطر في السهم أصبحت الآن أكبر بكثير مما كانت عليه، عندما كانت الشركة آلة لتوليد السيولة".

خطر تركز السوق

يزيد التركز في عدد محدود من الأسهم خطورة هذه المعادلة. فأي موجة ذعر جديدة قد تمحو مئات المليارات الإضافية، بينما تبقى شركات "العظماء السبعة" مضطرة إلى مواصلة الإنفاق حتى لا تتخلف في سباق الذكاء الاصطناعي، وإثبات جدوى هذا الإنفاق في الوقت نفسه.

من هنا تكتسب عبارة "العظماء السبعة" أهمية إضافية، فيكفي الإشارة إلى أن هذه الشركات تبلغ قيمتها السوقية المجمعة نحو 22.7 تريليون دولار، وتشكل قرابة ثلث الوزن السوقي لمؤشر "إس آند بي 500"، ما يعني أن أي اهتزاز قد ينعكس على كل السوق، وليس فقط على أسهم هذه الشركات التي واصلت دفع السوق لتحقيق مستويات قياسية خلال السنوات والأشهر القليلة الماضية.

ويلخّص لومير هذا التحول بقوله: "كانت هذه الشركات تمتلك أكثر الميزانيات العمومية متانة في تاريخ الشركات الأميركية، أما الآن فأصبحت كثيفة الأصول، وهناك تساؤل بشأن العائد على الاستثمار".

أسبوع مصيري

تتجه الأنظار حالياً إلى الشركات الكبرى الأخرى التي ستعلن عن نتائجها، لمعرفة كيفية تعاملها مع الإنفاق، وكيف ستتفاعل الأسواق مع إعلاناتها. 

ومن المقرر أن تعلن كل من "مايكروسوفت" و"ميتا" و"أبل" و"أمازون" نتائج أعمالها الأسبوع المقبل. 

ويتوقع جاستن بوست، محلل "بنك أوف أميركا"، أن ترفع "أمازون" توجيهها إلى 210 مليارات دولار بفعل ارتفاع تكاليف الذاكرة، ويعتبر أن أكبر مخاطر النتائج تتمثل في أن يطغى توجيه إنفاق أعلى على أداء إيرادات قوي.

رغم ذلك، فإن السوق أصبحت أكثر تعقيداً في التعامل مع إعلانات زيادة الإنفاق. وبحسب آدم لينتون، استراتيجي الاقتصاد الكلي لدى "بلومبرغ"، فإن التفاؤل المفرط بشأن الإنفاق قد يؤدي إلى مخاوف من الإفراط في تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، في حين قد يشير أي تقليص ملموس في الإنفاق إلى "تراجع الطلب، ويدفع أسهم التكنولوجيا إلى التراجع".

من أين يأتي المال؟

يقود هذا كله إلى السؤال الأصعب: إلى متى تستطيع الشركات تمويل هذا الإنفاق من السيولة التي تولدها داخلياً؟

فحتى وقت قريب، كانت هذه المجموعة تموّل توسعها إلى حد كبير من تدفقاتها التشغيلية. لكن تحليلاً لـ"رويترز" استند إلى تقديرات "إل إس إي جي" يكشف حجم التحول.

ويرى التحليل أن شركات الحوسبة فائقة النطاق الخمس (مايكروسوفت، أمازون، ألفابت، ميتا، أوراكل) ستولد نحو 340 مليار دولار إضافية من التدفق النقدي التشغيلي في 2027 مقارنة بـ2025، بينما سيرتفع إنفاقها الرأسمالي نحو 534 مليار دولار، أي 1.57 دولار استثماراً إضافياً مقابل كل دولار إضافي تجنيه.

وقد بدأت الفجوة تُسد بالتمويل الخارجي، عبر الديون وإصدارات الأسهم والإيجارات التمويلية. فبحسب تحليل لـ"فاكت سيت"، ارتفعت الديون السنوية الإضافية للشركات الخمس الكبرى، من 9% من الإنفاق الرأسمالي في 2024 إلى 32% بحلول منتصف 2026، وعادت إصدارات الأسهم إلى مزيج التمويل.

وبدأت أسواق الائتمان تسعّر هذه المخاطر فعلياً. فقد ارتفعت كلفة حماية ديون "أوراكل" من التعثر إلى أعلى مستوى منذ نهاية 2008، بعدما بلغت عقود مبادلة التخلف عن السداد لأجل خمس سنوات نحو 2.03 نقطة مئوية سنوياً يوم الإثنين، فيما خفّضت "إس آند بي غلوبال ريتينغز" تصنيف الشركة هذا الشهر إلى درجة واحدة فوق فئة السندات غير الاستثمارية، مستشهدة بتزايد إنفاقها على الذكاء الاصطناعي.

ويتوقع تحليل فاكت سيت أن يتجاوز إجمالي الإنفاق الرأسمالي النقدي 690 مليار دولار خلال السنة المالية 2026. أما على أساس السنة التقويمية 2026، فتشير التوقعات لإنفاق رأسمالي يقارب 800 مليار دولار (بما في ذلك عقود الإيجار التمويلي والمدفوعات المسبقة من العملاء)، مما يعكس ارتفاع أسعار المكونات، وخاصة رقائق الذاكرة. 

ونتيجة لذلك، يتوقع التقرير أن تقترب التدفقات النقدية الحرة للسنة المالية 2026 من الصفر أو تتحول إلى السالب لجميع الشركات باستثناء "ألفابت" و"مايكروسوفت". 

ومع أن تقدير "فاكت سيت" يتعلق بالسنة المالية كاملة وصدر قبل إعلان "ألفابت" نتائجها، أظهرت نتائج الشركة أن الضغط على التدفق النقدي الحر بدأ يظهر بالفعل خلال الربع الثاني.

توقعات بإنفاق أكبر في 2027

إذا كان 2026 عام اقتراب التدفقات من الصفر، فإن 2027 يبدو أثقل. إذ رفع "سيتي" توقعاته لإنفاق "ألفابت" و"ميتا" و"أمازون" إلى 801 مليار دولار مجتمعةً، محذراً في مذكرته من أن ذلك سيؤدي إلى "تدفق نقدي حر سالب في 2027 و2028 لكل منها"، ما يعكس "مدى كثافة رأس المال اللازم لتطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي".

ورفع البنك تقديراته للإنفاق الرأسمالي لشركة "ألفابت" لعام 2027 بنحو 21% ليصل إلى 308 مليارات دولار، ورفع توقعاته لشركة "ميتا" بنحو 22% لتصل إلى 205 مليارات دولار، وزاد توقعاته لشركة "أمازون" بنحو 12% لتصل إلى 288 مليار دولار.

وهنا تكتمل المعادلة التي كشفتها جلسة الخميس: إنفاق رأسمالي ينمو أسرع من السيولة المتولدة داخلياً، وحاجة متزايدة إلى أسواق الدين والأسهم، ومستثمرون أقل استعداداً لتمويل الرهان من دون عائد واضح. 

وما محته "وول ستريت" لم يكن الأموال المخصصة للاستثمار، لكنه كشف تآكل الثقة التي سمحت للشركات طوال السنوات الماضية بزيادة الإنفاق من دون أن تُسأل بإلحاح عن موعد استرداده.