آفاق سياسات الاستثمار في دولة الإمارات العربية المتحدة
شهدت دولة الإمارات العربية المتحدة خلال العقود الخمسة الماضية تحولًا اقتصاديًا لافتًا، انتقلت خلاله من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الهيدروكربونات إلى مركز إقليمي وعالمي أكثر تنوعًا في قطاعات المال والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة. وكان الاستثمار الأجنبي المباشر عنصرًا محوريًا في هذا التحول.
ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر من مستويات محدودة جدًا في مطلع الألفية إلى ما يزيد على نصف الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2025، متجاوزًا متوسط دول مجلس التعاون الخليجي ومقتربًا من مستويات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
كما أصبحت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، بوصفها نسبة من الناتج المحلي الإجمالي، أعلى من متوسطَي دول المنظمة ودول مجلس التعاون. وتعكس هذه الاتجاهات نجاح دولة الإمارات في ترسيخ مكانتها بوصفها مركزًا إقليميًا رئيسًا للاستثمارات الأجنبية.
الاستثمار الجديد ودوره في التنويع الاقتصادي
أصبح الاستثمار الأجنبي المباشر في المشروعات الجديدة، أي الاستثمارات التي تنشئ من خلالها الشركات الأجنبية منشآت وعمليات جديدة داخل الدولة، أكثر انسجامًا مع طموحات الإمارات الرامية إلى تنويع اقتصادها.
وقد برز قطاع الطاقة المتجددة بوصفه أكبر متلقٍّ للاستثمار الأجنبي المباشر في المشروعات الجديدة خلال العقد الماضي، في حين تستحوذ القطاعات الرقمية على حصة متزايدة من هذه الاستثمارات.
كذلك يتزايد الاستثمار الأجنبي المباشر في البحث والتطوير، ويؤدي دورًا متناميًا في دعم الابتكار. ويولد الاستثمار في المشروعات الجديدة في الإمارات عددًا من الوظائف مقابل كل دولار مستثمر يفوق متوسط ما يولده في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ودول مجلس التعاون الخليجي.
إصلاحات طموحة عززت جاذبية بيئة الأعمال
استند هذا التوسع الاستثماري إلى برنامج إصلاحي طموح استهدف تعزيز القدرة التنافسية لبيئة الأعمال في الإمارات.
وتركزت الجهود الحكومية على:
• تقليل العوائق الإدارية.
• تحديث الأطر التنظيمية والقانونية.
• تعزيز كفاءة المؤسسات العامة على المستويين الاتحادي والمحلي.
• تسريع إجراءات تأسيس الأعمال وترخيصها.
وقد أسهم الانتشار الواسع لمنصات الحكومة الإلكترونية وأنظمة الترخيص عبر مراكز الخدمة الموحدة في تبسيط الإجراءات الإدارية، ورفع مستوى الكفاءة، وتقليص المدة اللازمة لدخول المستثمرين إلى السوق وبدء أنشطتهم.
تحديث قوانين الاستثمار والشركات
شكّل تحديث قوانين الاستثمار وممارسة الأعمال، التي يُنظم جانب رئيس منها على المستوى الاتحادي، ركيزة أساسية في برنامج الإصلاح.
وكان إلغاء قانون الاستثمار الأجنبي المباشر لعام 2018، والاستعاضة عنه بتعديلات أُدخلت على قانون الشركات التجارية الاتحادي عام 2021، تحولًا حاسمًا في سياسة الاستثمار الإماراتية.
فقد أزالت هذه الإصلاحات اشتراطًا استمر لفترة طويلة، وكان يفرض وجود ملكية إماراتية بالأغلبية في معظم القطاعات. وأصبح مسموحًا بالملكية الأجنبية بنسبة 100% في نطاق واسع من الأنشطة الاقتصادية.
ولا تزال هناك استثناءات محدودة في بعض القطاعات التي تعدها الإمارات ذات أهمية استراتيجية، مثل:
• الدفاع.
• الخدمات المالية.
• الاتصالات.
نظام لامركزي لترويج الاستثمار
كان الإطار الشامل واللامركزي بدرجة كبيرة لترويج الاستثمار عاملًا رئيسًا آخر في الأداء القوي للإمارات في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر.
ويقوم هذا النظام على نموذج حوكمة متعدد المستويات، يمنح كل إمارة ووكالات ترويج الاستثمار التابعة لها صلاحيات واسعة.
ويتيح هذا النموذج:
• تجربة سياسات ومبادرات استثمارية على المستوى المحلي.
• تصميم عروض استثمارية ملائمة لطبيعة القطاعات المستهدفة في كل إمارة.
• سرعة الاستجابة لاحتياجات المستثمرين.
• مرونة أكبر في تيسير المشروعات على المستوى المحلي.
تنفيذ المزيد من الاتساق التنظيمي
تم تنظيم المجالات الأساسية المؤثرة في الاستثمار، مثل قوانين الشركات والمعاملات التجارية والملكية الفكرية، على المستوى الاتحادي.
وفي المقابل، تم تنظيم جوانب أخرى من الإطار الاستثماري، مثل حيازة الأراضي وملكيتها، على مستوى كل إمارة. وقد يؤدي ذلك أحيانًا إلى تفاوت في وضوح الأنظمة وسهولة الوصول إليها.
وقد أسهم تحسين جودة القوانين واللوائح، وزيادة قابليتها للتوقع، وتسهيل وصول المستثمرين إليها، أن عزز ثقة المستثمرين في مختلف أنحاء الدولة، ودعم الاستثمارات طويلة الأجل المنسجمة مع الأهداف الوطنية لدولة الإمارات.
كما يمكن أن يساعد تعزيز التنسيق بين جهود الإصلاح، وإنشاء قنوات منظمة للحوار مع المستثمرين، على ضمان توافق المبادرات الاستثمارية مع الأولويات الاستراتيجية الوطنية، وزيادة مساهمتها الفعلية في التنمية الاقتصادية المستدامة.
استراتيجية وطنية شاملة للاستثمار
يرى التقرير أن إعداد استراتيجية وطنية شاملة للاستثمار وفر إطارًا متماسكًا يوجه المبادرات التشريعية والمؤسسية والترويجية المستقبلية.
وكان لوضع هذه الاستراتيجية أن:
• تحديد بصورة واضحة أولويات الحكومة الاتحادية وأولويات كل إمارة.
• تعرّيف القطاعات الاستراتيجية المستهدفة.
• ربط جهود ترويج الاستثمار بأهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية الأوسع.
• توضيح الأدوار المؤسسية وتدعم التنسيق بين الجهات المختلفة.
وفي هذا السياق، يمثل إنشاء وزارة الاستثمار مؤخرًا فرصة استراتيجية لمعالجة هذه القضايا، بالنظر إلى الصلاحيات الواسعة الممنوحة لها في إعداد استراتيجيات استثمار متكاملة، وتعزيز اتساق السياسات، واستقطاب رؤوس الأموال والكفاءات والمواهب.
الاستثمار وسوق العمل والتحول الرقمي
يمكن للإمارات، استنادًا إلى الإصلاحات القائمة، أن تعزز أثر الاستثمار الأجنبي المباشر في سوق العمل والتحول الرقمي.
ويقترح التقرير تقليل نطاق القرارات التنظيمية التقديرية في بعض القطاعات الاستراتيجية، مثل الاتصالات والإعلام، بما يزيد من وضوح القواعد وقابليتها للتوقع.
كما يدعو إلى:
• تعزيز تطبيق قواعد المنافسة في الاقتصاد الرقمي.
• تحسين التنسيق بين الجهات المسؤولة عن المنافسة الرقمية.
• تطوير حوكمة البيانات.
• تقوية إنفاذ حقوق الملكية الفكرية.
• ضمان تمثيل وزارة الاستثمار في اللجان والهيئات المعنية بالتنسيق في هذه المجالات.
ومن شأن هذه الإجراءات أن ترفع مستوى اتساق السياسات وتعزز قدرة الاستثمار الأجنبي على دعم الاقتصاد الرقمي.
الاستثمار الأجنبي وسياسة التوطين
يشير التقرير إلى أن تقليص الفجوة بين ظروف العمل في القطاعين العام والخاص ساعد الشركات الأجنبية على دعم سياسة التوطين، أي زيادة مشاركة المواطنين الإماراتيين في وظائف القطاع الخاص.
وقد أدى تعزيز انتقال العمالة بين القطاعين وتحسين جاذبية وظائف القطاع الخاص إلى رفع قدرة الشركات الأجنبية على استقطاب المواطنين وتطوير مهاراتهم.
كذلك مكن الشراكات بين المستثمرين الأجانب ومؤسسات التعليم والتدريب، إلى جانب تقديم حوافز للتدريب في مواقع العمل، من دعم بناء قاعدة مستدامة من المواهب والكفاءات الرقمية في دولة الإمارات.
ومن ثم، فإن التحدي المقبل لا يتمثل فقط في زيادة حجم الاستثمار الأجنبي المباشر، بل في تحسين نوعيته وتعظيم مساهمته في:
• الإنتاجية والابتكار.
• نقل التكنولوجيا والمعرفة.
• خلق فرص عمل ذات مهارات مرتفعة.
• تطوير الكفاءات الوطنية.
• دعم الاقتصاد الرقمي.
• تعزيز التنويع الاقتصادي المستدام.
الجهة الناشرة: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية – OECD
سنة النشر: 2026
العنوان الأصلي: Investment Policy Perspectives in the United Arab Emirates
