+A
A-

كيف تساهم سلاسل الإمداد في صناعة التضخم؟

*قراءة تحليلية موسعة استناداً إلى ورقة "Perspectives on Supply Chains and Inflation" الصادرة عن Brookings Institution.*

من بين الظواهر الاقتصادية التي شغلت الباحثين وصناع السياسات خلال السنوات الأخيرة، برزت مسألة التضخم بوصفها القضية الأكثر إلحاحاً وتعقيداً. فبعد عقود من استقرار الأسعار نسبياً في الاقتصادات المتقدمة، شهد العالم موجة تضخمية واسعة النطاق أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول أسباب التضخم وآليات انتقاله.

وفي هذا السياق تحاول ورقة Brookings تقديم قراءة مختلفة نسبياً للتضخم المعاصر، عبر التركيز على الدور الذي تلعبه سلاسل الإمداد العالمية في تشكيل الضغوط السعرية، وتدعو إلى تجاوز التفسيرات التقليدية التي تختزل التضخم في جانب الطلب أو السياسة النقدية فقط.

 من التفسير التقليدي إلى التفسير الهيكلي
تنطلق الورقة من ملاحظة أساسية مفادها أن الأدبيات الاقتصادية التقليدية كانت تميل إلى تفسير التضخم باعتباره نتيجة اختلال بين الطلب الكلي والعرض الكلي.

فعندما يرتفع الطلب بصورة تفوق قدرة الاقتصاد على الإنتاج ترتفع الأسعار. وعندما تتوسع السيولة النقدية بشكل يفوق النمو الحقيقي في الاقتصاد تظهر ضغوط تضخمية إضافية.
إلا أن ما شهدته الاقتصادات العالمية بعد جائحة كورونا كشف عن وجود آليات أخرى أكثر تعقيداً.

ففي الوقت الذي لم يكن فيه الطلب الاستهلاكي هو العامل الوحيد المحرك للأسعار، شهدت الاقتصادات الكبرى اضطرابات واسعة في الإنتاج والنقل والشحن وتوفير المواد الأولية، وهو ما أدى إلى ظهور موجة تضخمية ذات طبيعة مختلفة.

وترى الورقة أن فهم هذه الظاهرة يتطلب دراسة سلاسل الإمداد باعتبارها جزءاً أساسياً من آلية تحديد الأسعار.

 سلاسل الإمداد كآلية لنقل الصدمات
توضح الورقة أن سلاسل الإمداد الحديثة تتميز بدرجة عالية من التشابك والتعقيد.
فالسلعة الواحدة قد تعتمد على مكونات يتم إنتاجها في عدة دول مختلفة قبل أن تصل إلى المستهلك النهائي.

وفي ظل هذا التشابك، فإن أي تعطل في إحدى حلقات السلسلة يمكن أن يمتد تأثيره إلى قطاعات متعددة ومناطق جغرافية واسعة.
وتلفت الورقة الانتباه إلى أن أهمية سلاسل الإمداد لا تكمن فقط في نقل السلع، بل في نقل الصدمات الاقتصادية أيضاً.

فعندما يتعرض أحد الموردين لمشكلة إنتاجية، أو تتعطل حركة النقل، أو ترتفع تكاليف الشحن، تنتقل آثار هذه الصدمة تدريجياً إلى المنتجين ثم إلى تجار الجملة والتجزئة ثم إلى المستهلك النهائي.
وبهذه الطريقة تتحول المشكلة اللوجستية إلى مشكلة تضخمية.

 لماذا لا تظهر آثار الصدمات فوراً؟
من الأفكار المهمة التي تناقشها الورقة أن العلاقة بين اضطرابات سلاسل الإمداد والتضخم ليست علاقة فورية أو مباشرة دائماً.
ففي بعض الأحيان تحتفظ الشركات بمخزونات تمكنها من امتصاص الصدمات مؤقتاً.

كما أن بعض المؤسسات قد تتردد في نقل الزيادات في التكاليف إلى المستهلكين مباشرة خوفاً من فقدان حصتها السوقية.
لذلك قد يستغرق ظهور الآثار التضخمية وقتاً أطول من لحظة وقوع الصدمة الأصلية.

وهذه النقطة تفسر جزئياً لماذا استمرت الضغوط التضخمية في بعض الاقتصادات حتى بعد تراجع بعض الاختناقات اللوجستية التي ظهرت خلال الجائحة.

التمييز بين الصدمات المؤقتة والصدمات المستدامة
تولي الورقة اهتماماً خاصاً للتمييز بين نوعين من الاضطرابات.
النوع الأول يتمثل في الصدمات المؤقتة التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار لفترة محدودة قبل أن تعود الأوضاع إلى طبيعتها.

أما النوع الثاني فيتمثل في الصدمات التي تؤدي إلى تغييرات أكثر استدامة في هيكل الإنتاج والتكاليف.
وتشير الورقة إلى أن التحدي الرئيسي أمام البنوك المركزية يتمثل في التمييز بين هذين النوعين.

فإذا اعتبرت السلطات النقدية أن الضغوط التضخمية مؤقتة بينما هي في الواقع مستدامة فقد تتأخر في اتخاذ الإجراءات المناسبة.
أما إذا تعاملت مع صدمة مؤقتة باعتبارها مشكلة طويلة الأجل فقد تلجأ إلى تشديد نقدي غير ضروري يضر بالنمو الاقتصادي.

 حدود السياسة النقدية
من أبرز الرسائل التي تحملها الورقة أن السياسة النقدية ليست قادرة دائماً على معالجة جميع مصادر التضخم.
فعندما يكون التضخم ناتجاً عن زيادة الطلب يمكن لرفع أسعار الفائدة أن يخفف الضغوط السعرية من خلال إبطاء الإنفاق والاستثمار.

لكن عندما يكون التضخم ناتجاً عن اختناقات في سلاسل الإمداد فإن قدرة السياسة النقدية تصبح أكثر محدودية.
فرفع أسعار الفائدة لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة عدد الحاويات في الموانئ أو تسريع إنتاج أشباه الموصلات أو إزالة الاختناقات اللوجستية.
ومن هنا تدعو الورقة إلى فهم أكثر دقة لطبيعة الصدمات قبل تصميم الاستجابة الاقتصادية المناسبة.

 الدرس الأهم من الجائحة
ربما تتمثل أهم مساهمة للورقة في إبرازها أن الجائحة لم تكن مجرد أزمة صحية، بل شكلت تجربة اقتصادية واسعة النطاق كشفت هشاشة بعض الافتراضات التي بني عليها الاقتصاد العالمي خلال العقود الماضية.
فالنموذج الذي اعتمد على الكفاءة القصوى وتقليل المخزون وخفض التكاليف إلى أدنى مستوى ممكن أثبت أنه أكثر عرضة للصدمات مما كان متوقعاً.

وقد أظهرت الأزمة أن تحقيق الكفاءة لا يعني بالضرورة تحقيق المرونة.
وهذا ما دفع العديد من الشركات إلى إعادة التفكير في استراتيجيات التوريد والإنتاج وإدارة المخزون.

 ما الذي تضيفه الورقة إلى النقاش الاقتصادي؟
لا تقدم الورقة نظرية جديدة للتضخم بقدر ما تدعو إلى توسيع إطار التحليل.
فهي تذكر الاقتصاديين وصناع السياسات بأن التضخم ظاهرة متعددة الأسباب، وأن فهمها يتطلب النظر إلى الاقتصاد بوصفه شبكة مترابطة من المنتجين والموردين وشركات النقل والمستهلكين، وليس مجرد معادلات تتعلق بالعرض النقدي أو الطلب الكلي.

ومن هذه الزاوية، تمثل سلاسل الإمداد عدسة تحليلية مهمة لفهم جانب من التحولات الاقتصادية التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، كما تفسر لماذا أصبحت القضايا اللوجستية والنقل والإنتاج تحتل موقعاً متقدماً في النقاشات الاقتصادية العالمية إلى جانب السياسة النقدية والمالية.