+A
A-

قضية اقتصادية | المجمعات التجارية الكبرى ترسم خريطة مختلفة بين “الهايبر” و “السوبر”

  • التجارة الإلكترونية تربك حسابات المتاجر التقليدية

  • في “عصر الكفاءة”.. اقتصادات الحجم لم تعد تكفي

 

سعيد محمد سعيديُخطئ من يعتقد بأن قطاع “الهايبرماركت” و “السوبرماركت” في مملكة البحرين مجرد سوق يتنافس فيها عدد من المتاجر على جذب المستهلك! هذا القطاع أصبح ميدانًا اقتصاديًا تتقاطع فيه تحديات التشغيل، والتحول الرقمي، والتغيرات الجيوسياسية، وتبدل سلوك المستهلك، مع سباق مستمر نحو الكفاءة والابتكار. 
وبينما تبدو رفوف المتاجر ممتلئة، والخيارات أكثر تنوعًا من أي وقت مضى، فإن الصورة خلف الكواليس تكشف عن ضغوط متزايدة على الربحية، وتغير في قواعد المنافسة يفرض على الشركات إعادة التفكير في نماذج أعمالها إذا أرادت البقاء خلال السنوات المقبلة.
وعلى الرغم من أن القطاع لا يزال يحافظ على قوته وحضوره في السوق البحرينية، فإن معظم المؤشرات الاقتصادية تشير إلى أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر تعقيدًا، ليس بسبب ضعف الطلب، وإنما نتيجة اشتداد المنافسة وارتفاع التكاليف وتغير أولويات المستهلك.

السوق قوية.. لكن النمو سيتباطأ
وأكد المدير التنفيذي حسين الساتر أن قطاع “السوبرماركت” في مملكة البحرين لا يزال يحافظ على قوته وحضوره في السوق، إلا أنه يتوقع أن يشهد تراجعًا نسبيًا في مستوى النمو خلال السنوات الخمس المقبلة، في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها قطاع تجارة التجزئة وسلوك المستهلك.
ووضح أن السوق تواجه اليوم مجموعة من التحديات المؤثرة، يأتي في مقدمتها الارتفاع المستمر في المصروفات التشغيلية، إلى جانب التغير الواضح في مزاج المستهلك واتجاهه نحو خيارات شرائية أكثر تنوعًا، سواء من حيث نوعية المتاجر أو وسائل التسوق الحديثة، فالمنافسة -كما يرى الساتر- أصبحت أكثر شراسة من أي وقت مضى، في ظل تعدد اللاعبين في السوق، فضلًا عن تأثر القوة الشرائية بعوامل اقتصادية مختلفة، وهو ما يفرض على الشركات تطوير استراتيجياتها باستمرار للحفاظ على حصتها السوقية.

أحجام الأسواق
وشرح الوضع بالنسبة لمؤسستهم عن قرب فقال: “المؤسسة تواصل تنفيذ خططها التوسعية بثقة، حيث تمتلك حاليًا سبعة فروع عاملة، مع الاستعداد لافتتاح فرعين جديدين خلال الفترة المقبلة، بما يعكس إيمانها بقدرة السوق على استيعاب مزيد من الخدمات النوعية، على رغم التحديات القائمة”، إلا أنه لفت إلى أن عمل المؤسسة لا يقتصر على الانتشار الجغرافي، وإنما يشمل أيضًا تنوع أحجام الأسواق بما يلبي احتياجات مختلف المناطق، إضافة إلى توفير تشكيلة واسعة من المنتجات، والحرص على تقديم خدمة عملاء متميزة، واختيار المواقع بعناية، إلى جانب المتابعة المستمرة للأداء وتطوير الخدمات بما يواكب تطلعات المستهلكين.
واختصر الساتر الكلام بتأكيد أن النجاح في قطاع التجزئة خلال المرحلة المقبلة لن يعتمد على التوسع وحده، بل على القدرة على الابتكار، وفهم احتياجات العملاء، ورفع كفاءة التشغيل، وتعزيز جودة الخدمة، بما يضمن الاستمرار في بيئة تنافسية تتغير بوتيرة متسارعة. 

ضغوط على الربحية
هناك جانب آخر، إذ رأى كل من المدير العام لشركة “ميغامارت” أنيل نواني، ورئيس قطاع التجزئة محمد كياس، أن القطاع يواجه تحديات أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، ذلك لأن اعتماد البحرين الكبير على المنتجات المستوردة يجعل القطاع أكثر تأثرًا بارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، وتكاليف الشحن والتأمين، واضطرابات سلاسل الإمداد، وهي عوامل انعكست مباشرة على تكلفة التشغيل وهوامش الربح.
أضف إلى ذلك، والكلام لأنيل وكياس، أن ارتفاع تكاليف الإيجارات والكهرباء والمياه والخدمات، إلى جانب زيادة ضريبة القيمة المضافة من 5 % إلى 10 %، أسهم في تقليص القوة الشرائية للمستهلكين، في وقت تتوسع فيه التجارة الإلكترونية وخدمات التسوق السريع (Quick Commerce)، لتصبح منافسًا مباشرًا للمتاجر التقليدية.

سوق صغيرة ومنافسة كبيرة
وتتميز البحرين بخصوصية اقتصادية لافتة، فهي دولة ذات مساحة جغرافية محدودة ويبلغ عدد سكانها نحو مليون ونصف المليون نسمة، لكنها تضم أكثر من عشرين مجمعًا تجاريًا، إضافة إلى عدد مماثل من سلاسل “الهايبرماركت” و “السوبرماركت”، فضلًا عن مئات محالّ التجزئة الصغيرة والمتوسطة، وهذا الواقع منح المستهلك البحريني خيارات واسعة، لكنه في المقابل فرض منافسة حادة بين الشركات، وأصبح الحفاظ على الحصة السوقية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
وتشير تقديرات مؤسسات أبحاث الأسواق الدولية -طبقًا لتقرير نشره موقع “ستاتيستا”- إلى أن الإنفاق الأسري في البحرين مرشح للارتفاع من نحو 7.1 مليار دينار بحريني في العام 2024 إلى قرابة 8.5 مليار دينار بحلول العام 2029، فيما تستحوذ الأغذية والمشروبات على نحو خُمس الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما يؤكد استمرار أهمية قطاع التجزئة الغذائية، وإن كان لا يضمن ارتفاع أرباح جميع الشركات في ظل المنافسة السعرية المتزايدة.

“الرقمي” يغير قواعد اللعبة
وبمراجعة العديد من التقارير المحلية والخليجية المتعلقة بقطاع “الهايبرماركت”، لم يعد نجاح متجر التجزئة مرتبطًا فقط بموقعه الجغرافي أو مساحة عرضه، بل أصبح يقاس أيضًا بمدى حضوره الرقمي، فالتطبيقات الذكية، وخدمات التوصيل، وبرامج الولاء، وتحليل بيانات العملاء، وإدارة المخزون إلكترونيًا، أصبحت أدوات أساسية للمنافسة، بينما بات مفهوم التجارة متعددة القنوات أحد أهم معايير النجاح في قطاع التجزئة الحديث. وفي البحرين، شهدت السنوات الأخيرة تغيرات مهمة في السوق من بينها انتقال متاجر كانت تعمل تحت علامة معينة إلى علامة أخرى ضمن إعادة هيكلة استراتيجية، لكن هذه الخطوة لا تعكس ضعف السوق، وإنما تؤكد أن قطاع التجزئة يعيد ترتيب أوراقه باستمرار، وأن العلامات التجارية أصبحت أكثر استعدادًا لتطوير نماذج أعمالها بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية.
ويبرز المنتج البحريني كأحد أهم عناصر تعزيز تنافسية القطاع، فزيادة مساحة المنتجات الوطنية داخل “الهايبرماركت” و “السوبرماركت” لا تدعم المصانع المحلية فقط، بل تسهم أيضًا في تعزيز الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتخفيض بعض تكاليف النقل والاستيراد، على أن توسيع حضور المنتج الوطني يمثل فرصة رابحة للتاجر، والمصنع، والمستهلك، والاقتصاد الوطني في آن واحد.

من سيقود السوق؟
هذا سؤال الختام، وفي إجابته أن السنوات المقبلة لن تكون للأكبر حجمًا، بل للأكثر كفاءة، فالشركات القادرة على التحكم في التكاليف، وتحسين إدارة المخزون، والاستفادة من البيانات، والاستثمار في التكنولوجيا، ورفع جودة الخدمة، ستكون الأوفر حظًا في النمو، بينما قد تجد المؤسسات الأقل كفاءة نفسها مضطرة إلى تقليص الفروع، أو إعادة الهيكلة، أو الاندماج مع كيانات أخرى.
لذا لا يبدو قطاع “الهايبرماركت” و “السوبرماركت” في البحرين يواجه أزمة طلب، بل يمر بمرحلة إعادة تشكيل ستفرز رابحين وخاسرين وفق قاعدة اقتصادية جديدة تُختصر في أن حجم الشركة وحده لم يعد معيار النجاح، بل أصبحت الكفاءة التشغيلية، والابتكار، والقدرة على مواكبة تغيرات المستهلك، هي العوامل الحاسمة في رسم مستقبل تجارة التجزئة البحرينية.