العدد 6428
الخميس 21 مايو 2026
أرامل يزغردن في الجنائز... ومطلقات يحتفلن بالمفارقة!
الخميس 21 مايو 2026

قال الصديق: قد تخرج إلى الشارع وتمشي وسط المجمعات وفي الحدائق والطرقات والناس يحيطون بك من كل جانب، وفجأة تغيب جميع تلك الوجوه والصور، ويضيع الإحساس بها، وتختفي الأصوات والألوان، وتدخل في حالة من العزلة والوحدة التي تقترب من الغيبوبة. تنغلق عن الخارج تماما، فكأنك مخدر، والناس من حولك لا يشعرون بك ولا تشعر بهم، لا أحد يلتفت إليك حتى إن سقطت مغشيا عليك. الجميع غارقون في دواخلهم التي سحقها المجتمع الجديد وآلته الجبارة.

قلت للصديق: هذه ظواهر راسبة في أعماق السلوك الإنساني الجماعي، وفي دورة الأحاسيس الفردية، كثيرًا ما تتسبب في مفعول الجلطة في شرايين التواصل الإنساني. ويتولد عن ذلك ما يمكن أن نطلق عليه (تجلط المشاعر). فهذا التجلط يمس الشعور والإحساس العاطفي والوجداني بشكل رئيسي. لذلك لم يكن غريبا أن يظهر منذ سبعينيات القرن الماضي اهتمام خاص في علم النفس بهذه الظاهرة التي تسود قسما من السكان في العديد من المدن الغربية: فبعض الناس يعوزهم الشعور بالفرح أو الحزن أو الحب، وعادة ما يتم تشخيص مثل هؤلاء بالإصابة بمرض فقدان الـمشاعر، أو (تجلط المشاعر)، ومن أخطر أعراضه: اللامبالاة والهروب على الصعيدين الفردي والجماعي، وهي من الأعراض التي بدأت تنتشر بشكل مخيف في البلاد الغربية خصوصًا.

ومع آلام البوح بما تضمره النفوس المصدومة، أصبحنا نجد أرامل يزغردن في جنائز مفارقهن، ومطلقات يحتفلن بالمفارقة، وسط هرج ومرج. فأنت قد تصلك صور لحفلات طلاق تقام في الفنادق الفخمة، وتوزع فيها الحلوى والورود على عابري السبيل والشامتين، وتُستدعى لها راقصات من أطراف الدنيا.

كما أصبحنا نجد مدّاحين يتلذذون بهجاء من فشلوا في مدحه علنا.. والدنيا مسرح كبير. فهل بلغت عندنا ظاهرة تجلط المشاعر واعتلال الشعور درجة تستدعي فتح فرع لعلم تجلط المشاعر في جامعاتنا؟.

همس
إلى أين نمضي والسبل مغلّقة،
وبقايا النهار يلملم أطرافه،
رذاذ متكاسل يعلن عن مطر لا يأتي.
بؤس الكتابة لا يكترث لفوارق التوقيت،
ما بقي من الوقت لا يكفي للارتحال،
لم يعد كافيًا كي نموت بهدوء.

*كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .