العدد 6418
الإثنين 11 مايو 2026
بين الحصار الأصولي والحصار الحداثوي
الإثنين 11 مايو 2026

معظم العرب يحيون – في مواجهة التحديات - حالة انفعال أشبه ما تكون بردة فعل كائن مذعور خائف مرتبك لا يدري إلى أين يتجه، من دون رؤية أو خطة. العرب لم يعودوا يدركون ذواتهم إلا عبر إدراك الآخر لهم، والثقافة العربية لم تعد تعيش حالة من التفاعل المنتج المبدع المشارك في التيار الإنساني المتنامي بتحولاته وإنجازاته وإبداعاته. لذلك تبدو هذه الثقافة في حالة تلقف لنمط عيش استهلاكي شكلي في معظم الأحيان، بعيدًا عن المضامين الفكريّة المؤسسة لبنية الحضارة الإنسانية الحديثة والديمقراطيات ضمن حتى هذا الإطار نفسه.
إلا أن العرب الذين يجهدون في محاولاتهم للنهوض والمشاركة الحضارية يواجهون خطرين متناقضين في الظاهر، لكنهما يشتركان في إعاقة التقدم نحو المستقبل:
التحكم الأول: تحكم العقل الطائفي التفتيتي الذي أسَرَنا بالأوهام الطائفية والحروب المستجلبة من ذاكرة تاريخ الصراعات التي لا تنتهي. وخطورة هذا النوع من العقل أنه انتقائي، يركز فقط على لحظات الصدام في التاريخ، ويتجاهل قرون التعايش والتفاعل والتسامح، فلا يستدعي التاريخ لفهمه، بل لاسترجاع صراعاته كأدوات لإدارة الصراع السياسي مع (الأعداء) الآيديولوجيين. وغالبًا ما يفضي ذلك إلى تحويل الفضاء العربي إلى ساحة لتصفية الحسابات تحت شعارات (مقدسة)، ويؤدي تزييف الوعي إلى مزيد من تفتيت الدولة الوطنية، وإضعاف المواطنة.
التحكم الثاني يتمثل في تحكم العقل الحداثوي الخارج عن السياق، والذي استلبنا بالأوهام والقفز على الواقع ودفعنا إلى مواجهات مزيفة وطرح إشكاليات أكثر زيفًا وبناء حالة من الاغتراب المعرفي، عندما يتم استبدال الواقع العياني بإشكالاته وتحدياته وتفاصيله بنماذج مجردة مفارقة لهذا الواقع، ما يسهم في إخفائه وتضليل الناس بنوع آخر من الأوهام. 


لذلك، فالمطلوب تجاوز الاستلابين، الأصولي والحداثوي، لانبتاتهما عن الواقع، من أجل بناء وعي جمعي يسقط معه الغلو والانبتات. ومن الواضح أنه لا خروج من الأسرين إلا – كما يقول المفكر المغربي طه عبدالرحمن - بالانتقال من “ثقافة الذاكرة المثقلة” إلى “ثقافة المصلحة المشتركة” لتجاوز الصراعات التاريخية والضغائن الموروثة (ثقافة الذاكرة). والتركيز على المنافع المتبادلة والتعايش السلمي (ثقافة المصلحة)، سواء مع الذات في الداخل بتفعيل المواطنة المتساوية، أو في العلاقة مع الآخر ببناء ثقافة المصلحة.

كاتب وإعلامي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية