في بلدان عربية عديدة، فتحت للتو ورشة بيع القطاع العام أبوابها على مصراعيها استجابة - في الغالب - لنصائح البنك الدولي ومشتقاته، ولذلك كثر الحديث بالمناسبة عن عيوب القطاع العام وكوارثه الاجتماعية والاقتصادية وفشله في بناء التنمية الشاملة (هكذا!!). وبموازاة ذلك كثرت الأحاديث عن الحاجة الماسة والعاجلة لإعادة هيكلة الاقتصاديات وإصلاحها، تنفيذًا للوصايا العشر بحذافيرها.. وبما أن القطاع العام يجب أن يكون في خدمة القطاع الخاص، وبما أن القطاع العام فاشل و(غير منتج) - بحسب توصيفهم - فإن جيل “البورجوازية” العربية الجديدة، من الساعين إلى الثراء السهل والربح السريع سيكون أكثر قدرة على إنقاذ الاقتصاديات العربية المرهقة بقطاعاتها العامة، من الفشل، والارتقاء بمستوى العيش وتوفير ملايين مواطن العمل للمواطنين في كل قطر عربي. ولا شك أن وصفات البنك الدولي العلاجية هذه سوف تحقق المزيد من الرخاء والتنمية للجميع!
صحيح أن الاقتصاديات العربية بحاجة ماسة إلى مراجعة وتطوير وإعادة هيكلة، ولكنها لتحقيق ذلك بحاجة إلى رجال أعمال مهرة ورواد ومغامرين ذوي قدرة كبيرة على التجديد والتخيل والإبداع. هؤلاء بإمكانهم المبادرة بدل الاتكال على إمكانيات الدولة ودعمها.. وبإمكانهم تنمية المهارات الذهنية والعضلية بشكل أرقى من العفوية التي نشاهدها حاليًّا. وبإمكانهم تبني حلقات الجودة على الطريقة اليابانية وخلق علاقات ديمقراطية بين الصانع والمواد المصنوعة، وعدم النظر إلى العمال على أنهم مجرد (تروس) دائرة مغلقة تسمع وتتحرك دون فكر أو احتمال أو إبداع أو اجتهاد.
أما الحديث عن الإصلاح الاقتصادي، وجعله مرادفًا لبيع القطاع العام، فيحتوي على مخاطر ومهالك كثيرة، يدركها الواعون في كل مكان من العالم، حتى في الغرب الرأسمالي نفسه.
وإذا كان لابد من ابتلاع (الوصايا) والوصفات والسير على هدى هذا النظام، فعلى الأقل يجب الاهتداء بما أفرزه نوابغ الرأسمالية الحقيقية من تايلور إلى فورد، إلى منظري الصناعات اليابانية، لا مجرد تركيب عقل إقطاعي على جسد يريد أن يكون رأسماليا دون قدرة على ذلك.. فالاختيار بين الأسود والأبيض أفضل من القبول باللون الرمادي.. والاهتداء بسيرة (فورد) المهنية والإبداعية أفضل بلا شك من السير على خطى الفاشلين الملفقين.
كاتب وإعلامي بحريني