العدد 6427
الأربعاء 20 مايو 2026
اقتصاد الربع فرصة
الأربعاء 20 مايو 2026

لا تقلقني الربع فرصة، ولا تسيل لعابي الفرص الذهبية، كثيرا ما تحل البركة في أقل حتى من ربع فرصة، وكثيرا ما تذهب الرحمة عن القلوب وفي المتناول عشرات الفرص الذهبية، هكذا تعلمنا من أسواق المال، من الصفقات الملعوب بها، والتداول المشكوك في صحته.
عندما مررنا بأكثر من حرب، وحين عصفت بأسواق الدنيا أزمة 2008 ومن قبلها أكتوبر 1987، تصور “البعض” أننا أمام نهاية العالم، وينبغي علينا التوبة، وأننا تحت مصدات الرياح نحاول أن نتعلم من الدرس، وأن نبتعد بأطلالنا عن المشهد المرئي المريب.
عندما انقشعت السحب الرمادية، وبعد أن تركت لنا شظاياها، لم يكن أمامنا مفر سوى أن نحلم بكسرة خبز لم يتناولها ضحية، ولم نعثر في زحمة البحث عن المتاعب عن رشفة ماء قد تقينا قيظ الصيف الممل، وألاعيب السراب السخيفة. من هنا أدرك الكثيرون جسامة غياب اقتناص الفرص، وضعف الإدارة عندما تأتي على طبق من فضة، وضياع التمني عندما لا تتكرر هذه الفرص في العمر سوى مرة واحدة أو مرتين.
ما يصدق على الفرد يصدق على المجتمع، وما يصح للمجتمع لا بد أن يصح على الدولة، لذلك لم يصبني اليأس عندما ارتفع التضخم بعد غلق مضيق هرمز، ولم أكترث كثيرا بتداعيات الحرب.. أي حرب؛ لأن لكل حرب نهاية. وها نحن اليوم نعيش في المنطقة حالة أطلق عليها المفكرون منذ أمد بعيد “اللاسلم واللاحرب”، وهي مقولة لم يكن لي جهد يُذكر في اكتشافها بقدر ما أصبح عندي يقين قاطع على نقلها من وإلى، هذه الحالة بدأت تفرض واقعا اقتصاديا قد يؤدي إلى ما يمكن أن نسميه بـ “الاسترخاء الاقتصادي”، صعود وهبوط في قيمة كل شيء، وصعود وهبوط في مستويات أسعار وأحجام أيضا كل شيء، وصعود وهبوط في ترسانة التوقعات التي يحتفظ بها كل قارئ للمستقبل، وكل مؤتمن على أحلامه.
النفط الذي وصل قبل يومين إلى 112 دولارا لبرميل “برنت”، و107 دولارات لبرميل “نايمكس”، يقولون إنه سيعود إلى أدراجه سالما بعد أن تستقر أسعاره وتهدأ ما بين 50 - 60 دولارا للبرميل، حتى الذهب الذي كانت التوقعات تشير إلى بلوغه عشرة آلاف دولار للأوقية بنهاية 2027، سعره تراجع من أكثر من خمسة آلاف دولار إلى أربعة آلاف وخمسمائة للأوقية على رغم الحرب، وعلى رغم زيادة التصعيد في المنطقة.
الفضة اتخذت منحى مماثلا للذهب؛ حيث تراجعت من تحت سقف المائة دولار للأوقية لتصل إلى 75 دولارا في الوقت الراهن، وسط غياب أي مؤشرات على عودة “حليمة” إلى سابق عهدها؛ نظرا لحالة “شبه الاكتفاء الذاتي” التي تمر بها البنوك المركزية العالمية مفضلة الدولار على الذهب، وباحثة في جميع الأحوال عن السيولة على رغم التوتر، وعلى رغم الأزمات السياسية العالمية، وعلى رغم عدم وضوح الرؤية بشأن نتائج زيارة الرئيس ترامب للصين الأسبوع الماضي.  
في جميع الأحوال، اقتصاد الربع فرصة مازال يلوح لنا براياته البيضاء، ولكنه أصبح مثلما يحلم ترامب كالمعادن النادرة التي ذهب ترامب باحثا عنها إلى الصين كونها تنتج نحو 69 % من المخزون العالمي، و90 % من المواد اللازمة لمعالجتها قبل الاستخدام.
الصين أصبحت حلم كل دولة صناعية كبرى، مثلما هي حلم كل دولة فقيرة صغرى، الأولى للحصول على احتياجاتها من المواد النادرة اللازمة لتشغيل مصانع الطائرات والسيارات والتكنولوجيا الدقيقة والأجهزة الطبية رفيعة المستوى، والثانية حتى يتنسى للأسواق محدودة الدخل استيراد كل ما لذ وطاب من الصين بأقل الأسعار من أجل الوفاء بمتطلبات عاجلة للسكان، وعدم تركهم بلا مأكل أو مسكن أو مشرب، و.. من يدري؟!

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .