العدد 6420
الأربعاء 13 مايو 2026
الصحافة الاقتصادية.. في يومها
الأربعاء 13 مايو 2026

حتى في الاحتفاء، لم تكن الصحافة الاقتصادية حاضرة على جدول الاهتمامات، لم نشاهدها على منصة التكريم، ورموزها يحملون الدروع وشهادات التقدير، لم نلمحها إلا من خلال فكرة جديرة تفضل بها الزميل راشد الغائب وهو يُعد ملحمته السنوية على طريقة “الريترو”، مذكرًا إيانا بأنه كانت لدينا صحافة اقتصادية متخصصة ومازالت في النزع الأخير من العمر تحاول جاهدة أن تنهض من موتها السريري، وتقفز على الواقع والمنطق وبديهيات الأشياء، فنراها في ثوب أنيق محترف، أو من خلال حوار يعيد إلينا الراحلين وكأنهم مازالوا على قيد الحياة.
الصحافة الاقتصادية في يوم الصحافة لم تنل حظها من “إعادة الاعتبار” إلا من خلال الملحق التاريخي الذي حاول أن يعطي لكي ذي حقٍ حقه، فسمح لـ “البعض” بأن يتذكروا، وأن يكتبوا، وأن يتحرروا، تمامًا مثلما أتاح الفرصة لكل من كان له رأي أو رأي آخر أن يتحاوروا وأن يختلفوا في حدود ما تسمح بها لوائح اللحظة، وما تجود به قريحة النفر “محدودي الحيلة” لكي يدلي دلوه في يوم كانت شمسه مشرقة، لأن “البلاد” تحولت وكأنها تسعى لكي تكتب تاريخًا مستحقًا للجميع.
الصحافة الاقتصادية ستظل بمثابة العِلم الذي تحول بقدرة قادر إلى “شاشة” خلفية تسند بها الأحداث ظهيرها الغائب، هي المادة التي إذا تحولت لتخاطب الناس بلغة الناس فإنها قد تتعرض لإصابات ماحقة من “المحافظين الجدد” الذين لا يرون في الاقتصاد سوى عِلم تقدمه الجامعات للخبراء والدارسين أكثر من كونه مادة سيالة تهم شرائح واسعة من المجتمع، وتؤثر في مختلف طبقات الشعب العامل كونها علوم ترتبط بلقمة العيش، وأسعار السلع، ومغزى تحركات هذه الأسعار.
الصحافة الاقتصادية ليست كلها رسوم بيانية أو إحصاءات رقمية أو تحليلات غامضة، بقدر ما هي تفاعلات مع الحياة اليومية، ودلالات قاطعة على صحة هذه الحياة أو على ضخامة معاناتها عندما تسقط في مهب “التضخم”، وتختفي عندما يسود الرواج الأسواق.
الاقتصاد بلغة الناس، كان وسيظل بمثابة الصحافة الناشئة التي مازالت تبحث عن وطن، بل مأوى، بل عش صغير تتعلق فيه بـ “أحبالها الهالكة”، لتظل دائمًا خاوية على عروشها رغم اهتمامات “البعض” بها، ورغم استبعادها من قوائم المدججين بالجوائز والحوافز والأمنيات الطيبة.
الصحافة في يومها، كانت متجلية في صحيفتنا “البلاد” من خلال تكريم شاعر أنجز أول مجلة أدبية بحرينية من حر ماله، ثم تراجع عن التجربة لظروف اقتصادية، أي حتى الأدب الذي نحتفي به تتحكم فيه اعتبارات تمويلية، ومآزق اقتصادية، وعوامل ترتبط بـ “البزنس” أكثر من ارتباطها بجودة التعاطي مع “أوزان الفراهيدي”، أو مع نحو وصرف “سيباويه”، أو حتى مع مجامع اللغة العربية التي مازالت تفكر بعواطفها سعيًا وراء ممول عصري “لا يخشى في الصرف لومة لائم”.
يحدث ذلك على مستوى منطقتنا العربية، حيث تظهر وتختفي صحف لأسباب اقتصادية، فقط لأسباب اقتصادية، لم تتم مصادرة صحيفة لأنها خارجة عن المألوف أو لأنها متجاوزة لاعتبارات ترتبط بالأخلاق الحميدة للمهنة، أو تلك التي تتعاطى مع حرية النشر المطلقة على أنها فوضى مطلقة.
الظرف الاقتصادي كان وراء إفلاس صحف مثل الوقت والميثاق وأسواق ومن ثم الوسط، ومن قبلها أو بعدها صحف صدى الأسبوع والأضواء وكتابات وفيديو ترونك والمسافر العربي، والمسيرة والمواقف، جميعها أغلقت أبوابها لظروف اقتصادية ليس لأمور مرتبطة بولاءاتها أو أخلاقياتها أو مهنيتها.
الصحافة الاقتصادية مثلما هي الصحافة العامة الأخرى، سياسية وأدبية وفنية ورياضية، التمويل سيظل عمودها الفقري، وقيمتها ستبقى رهينة لمن يدفع أكثر وليس لمن يمتلك حظًا أوفر.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .