ما لم نكن نراه قريبًا، نراه اليوم أقرب.. هكذا يتراءى أمامي وأنا أحاول مع زملائي الأجلاء من المفكرين والأكاديميين والنجباء إعادة فرز معظم ما جاء به الأولون إلينا، علومهم، فنونهم، آدابهم، كيف أن إسحاق الموصلي ذهب بموسيقانا الشرقية إلى الأندلس، وكيف لزرياب تلميذه النجيب كل هذا النحيب، وهو قدم العود الشرقي والناي الحزين ليتحدث بالنيابة عنا أمام أمم أخرى، هي نفسها نفس العلوم التي قدمها ابن سينا والفارابي وجابر بن حيان والخوارزمي والحسن بن الهيثم من عالمنا العربي الإسلامي الشرقي إلى الغرب، لكي ينهضوا بعد سبات عميق، وينطلقوا بعد تراجع مريب.
كيف أن ذلك كله كان باللغة العربية، ولم تكن هذه اللغة في يوم من الأيام عائقا أمامهم، بل إن التراجم لعبت دورها التاريخي العظيم من خلال علمائنا أيضًا ليسهلوا المهمة على الغرب لكي يعيدوا بناء ما فات، ولكي نتراجع نحن عن علوم واكتشافات أجدادنا الجهابذة، وآداب وفنون ذوينا المهاجرين إلى العالم الجديد كي ينسوا أنفسهم ويستوطنوا العالم المتقدم، من دون أن يكون لهم دور يُذكر في إفاقتنا من سباتنا، أو إيقاظنا من غفلتنا، وإعادتنا من خلال لغتنا الجميلة إلى سابق نهضتنا، وعظيم هويتنا، وبلاغة لغتنا.
كل هذه المعاني كانت تسابقني وأنا متجه لألقي كلمتي في افتتاح المؤتمر المرتبط بالهوية العربية في ظل هجمة الذكاء الاصطناعي، وفصاحة الرقمية، وبلاغة العلوم التكنولوجية الفائقة، والذي أُقيم في عقر دار الأزهر الشريف بقاهرة المعز، وعلى أرض الكنانة، مصر العربية الشقيقة. تحدثت كثيرًا عما كان أقرب، وعما كان حميميًا مع عروبة اللحظة، فهويتنا في خطر، لأن لغتنا العربية في خطر، ولأن عروبتنا ذاتها مهددة بالضياع بعد تغريب كل شيء من حولنا، وتعليب كل ما يأتي علينا من علوم وفنون وآداب من دول الغرب بلغتهم وليس بلغتنا.
تحدثت في كواليس المؤتمر مع السادة العلماء، رؤساء وأعضاء مجالس أمناء العديد من الجامعات العربية، عن الاتحاد الذي يجمعهم بوصفي رئيسًا لرابطة الجامعات الخاصة الخليجية، تحدثت بحماس اللحظة عن كيفية حماية هويتنا العربية، عن إمكانية صون شخصيتنا التي بدأت تعيش أقصى لحظات تاريخها وهي تتعرض للتشويه والتهميش، من خلال مناهج مدارسنا التي تضع اللغة الأجنبية على سدة هذا المنهج، بينما تبقى اللغة العربية مجرد مادة على الهامش، لا يفكر أطفالنا بها، ولا يتحدثونها إلا نادرًا.
والأنكى والأمر أننا نجد الكثير من الأمهات والآباء يصرون على التحدث مع أبنائهم باللغة الأجنبية التي يدرس بها أطفالهم في المدرسة، وليس بلغتهم العربية الأم. يحدث ذلك من باب التباهي ربما، ومن عقدة الخواجة التي تحاصرنا وتحتل مخارج ألفاظنا ونواصي تفكيرنا، فتغير من عاداتنا وثوابتنا وتقاليدنا، وتشوه ما نشأنا نحن عليه عندما كان المشروع العربي هو عنوان المرحلة، والمد القومي هو صنوانها المهيب.
وها نحن اليوم نمر بمنعطف خطير دفع الأزهر الشريف لكي يحتضن هذه الفعالية المهمة، ليعيد إلى الأذهان دوره الطليعي التاريخي الطبيعي كخط دفاع أول عن هويتنا العربية، ومقصدًا علميًا باسلًا في ترسيخ قواعد هويتنا العربية منذ أن تعرضت للهجمات الشرسة، بالتحديد منذ الحملة الفرنسية، وكيف أن الأزهر تمكن من خلال رجاله وعلمائه وأروقته المهابة أن يعيد للغة العربية سيطرتها، بل أن يقدمها للمستعمر كأداة علم، وآلية تنوير، ووسيلة اتصال.
وها نحن اليوم في مملكة البحرين نحاول المحافظة على هذه الهوية الوطنية، مستشهدين بمبادرة نفر من علمائنا الأجلاء وأكاديميينا الفقهاء، تأسيس مجمعًا للغة العربية تكون مهمته الأولى المحافظة على اللغة العربية من التشويه والإهمال والتجاهل عند التأليف، رغم وجود أكثر من سبعة آلاف مؤلف باللغة العربية، وهو رقم يبشر بالخير، ويؤكد بأن مملكتنا الحبيبة البحرين تصون عروبتها، وتدافع عن هويتها، وتبذل كل ما في وسعها بأن تظل لغتنا الجميلة .. جميلة رغم أنف الكارهين.