العدد 6414
الخميس 07 مايو 2026
حين تكون الكلمة موقفًا.. ومسؤولية وطن
الخميس 07 مايو 2026

في السابع من مايو من كل عام، نقف أمام يوم الصحافة البحرينية، لا كموعد عابر في الروزنامة فحسب، بل وقفة وعي ومراجعة ومسؤولية. هو يوم نستحضر فيه معنى الكلمة حين تكون موقفًا، وقيمة القلم حين يكون ضميرًا، ودور الصحافة حين تكون شريكًا حقيقيًا في صناعة الحاضر ورسم ملامح المستقبل.
لقد كانت الصحافة البحرينية، منذ نشأتها، أكثر من مجرد وسيلة لنقل الخبر؛ كانت مدرسة في الوعي، ومنبرًا للفكر، ومساحة حرة للنقاش المسؤول. حمل روادها الأوائل رسالتهم بإيمان عميق بأن الكلمة الصادقة لا تموت، وأن الحقيقة، مهما تأخرت، لا بد أن تجد طريقها إلى النور. فواجهوا التحديات، وصبروا على شظف الإمكانات، وتركوا لنا إرثًا مهنيًا وأخلاقيًا نفتخر به، ونستمد منه قوتنا اليوم.
وإذا كنا نتحدث عن مسيرة الصحافة في مملكة البحرين، فلا بد أن نقف بكل تقدير عند الدعم الكبير الذي حظيت به من القيادة الرشيدة، وعلى رأسها حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه، وصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله.
فقد شكّل هذا الدعم ركيزة أساسية لتعزيز حرية الصحافة وترسيخ دورها الوطني، وكان التصديق على تعديلات قانون الصحافة في العام المنصرم، خطوة مهمة تعكس الإيمان الراسخ بأهمية الإعلام المسؤول كونه شريكا في التنمية، وصوتا يعبر عن المجتمع ضمن إطار من الحرية الواعية والمسؤولية المهنية.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد الصحافة بمنأى عن التحديات الكبرى التي فرضتها الثورة الرقمية، وتدفق المعلومات، وتعدد المنصات، وتداخل الحقيقة بالرأي، والسبق بالدقة. وهنا تتعاظم المسؤولية، لا لتتراجع الصحافة، بل لتعيد تعريف دورها، وتتمسك بجوهرها الأصيل: المصداقية، المهنية، النزاهة، والانحياز الواعي للحقيقة.
إننا في صحيفة “البلاد” لا ننظر إلى هذه التحديات بوصفها عوائق، بل نراها اختبارًا حقيقيًا لقيمنا، وفرصة لإثبات أن الصحافة الجادة قادرة على الصمود والتجدد. نؤمن أن السبق الصحافي لا قيمة له إن لم يكن دقيقًا، وأن الرأي لا يُحترم إن لم يستند إلى معرفة، وأن الحرية لا تكتمل إلا بالمسؤولية.
وإنني، وتحديدا في شهر ديسمبر المنصرم، تشرفت بتحمل مسؤولية رئاسة تحرير صحيفة “البلاد”، وأستحضر تجربة شخصية ممتدة عبر سنوات طويلة من العمل الصحافي، بدأت بكاتبٍ يسعى لإيصال فكرته، ويؤمن بأن الكلمة قادرة على أن تصنع فرقًا، وصولًا إلى هذا الموقع الذي يحمّلني مسؤولية مضاعفة في الحفاظ على ثقة القارئ، وصون رسالة الصحيفة.
كما لا يفوتني، في هذه المناسبة، أن أستعيد تجربة عزيزة على نفسي، امتدت لعشر سنوات، كنت خلالها أشارك بمقالاتي في المنافسة على جائزة أفضل مقال ضمن جائزة سمو رئيس الوزراء للصحافة. لم تكن تلك التجربة مجرد سعي نحو جائزة، بل كانت مدرسة حقيقية في الانضباط، والتطوير المستمر، ومراجعة الذات. كانت كل مشاركة فرصة للتعلم، وكل تقييم حافزًا للتحسن، وكل عام يضيف إلى رصيدي خبرة أعتز بها، وأثرًا أحرص على أن ينعكس في كل ما أكتب.
لقد علمتني تلك الرحلة أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل التزام يومي بالصدق، وسعي دائم نحو الأفضل، وإيمان عميق بأن الكلمة حين تخرج من ضمير حي، تصل إلى القلوب والعقول معًا.
وفي هذا اليوم، لا يسعنا إلا أن نُحيي كل صحافي وصحافية، وكل محرر ومصور، وكل من يقف خلف الكواليس ليخرج العمل الصحافي بصورة تليق بالقارئ. نُحيي أولئك الذين يكتبون في صمت، ويعملون بإخلاص، ويضعون الحقيقة فوق كل اعتبار. كما نستذكر بكل تقدير من سبقونا، ممن أسسوا هذا الصرح، وغرسوا بذور الوعي، وفتحوا الطريق أمام الأجيال القادمة.
إن رسالتنا اليوم، ونحن نعيش في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتزاحم فيه الأصوات، أن نكون أكثر وعيًا، وأكثر التزامًا، وأكثر قربًا من الناس. أن ننقل همومهم بصدق، ونطرح قضاياهم بجرأة مسؤولة، ونبقى دائمًا في صف الوطن، مدافعين عن مكتسباته، حريصين على وحدته، داعمين لمسيرته.
كما أود أن أشيد بالجهود الكبيرة التي بذلتها الصحف البحرينية والمنصات الإعلامية في ظل ماشهده وطننا العزيز من اعتداءات إيرانية آثمة، منوهًا بالتعاون والتنسيق الأمثل واللامحدود مع وزارة الإعلام ومركز الاتصال الوطني ومركز الإعلام الأمني الذين أظهروا روح المسؤولية الوطنية التي تضع مصلحة الوطن وأمنه واستقراره في الأولوية وفوق كل اعتبار، مؤكدا أن الكوادر الصحافية والإعلامية أظهرت التزاما ومسؤولية كبيرة في ظل هذه الظروف الدقيقة والخطيرة وتحلت بالوعي في التعامل مع تداعيات هذه الاعتداءات وحملات التضليل ومحاولات نشر الاشاعات والفتن.
ونؤكد، من موقعنا، أن الصحافة البحرينية ستظل ركيزة أساسية في بناء المجتمع، وحارسًا للقيم، وجسرًا يربط بين المواطن وصانع القرار. وستبقى “البلاد”، بعون الله، وفية لنهجها، ثابتة على مبادئها، تسعى إلى تقديم محتوى يليق بالقارئ، ويحترم عقله، ويعكس نبض وطنه.
في يوم الصحافة البحرينية، نجدد العهد بأن تبقى الكلمة أمانة، والحقيقة غاية، والوطن بوصلة لا نحيد عنها.
وكل عام والصحافة البحرينية أكثر إشراقا، وأكثر تأثيرا وأكثر حضورا في وجدان الوطن. 
زهير توفيقي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية