قبل أيام، حَلَّت علينا ذكرى رحيل غابرييل غارسيا ماركيز. كان غابو مثلما يُلقَّب أول كولومبي، ورابع كاتب من أميركا اللاتينية يفوز بجائزة نوبل في الأدب. قرأتُ أغلب روايات ماركيز بمُتعة لا توصف. بل إن بعضها أعدتُ قراءته، وكنتُ أقول إن الخطيئة الوحيدة التي قد لا أغفرها لهذا الأديب المتميز، أنه لم يجعلني قادرًا على قراءة رواياتٍ لغيره إلا ما ندر؛ لأنني صرتُ عاجزًا عن الشعور بالمتعة مع نص آخر. كان جمال النص “الماركيزي” يزداد بريقه كلما وجدت كاتبه وهو يتبنَّى “القضايا الكبرى” لبلاده - وعموم أميركا اللاتينية وشعوبها وفقرائها - بعد أن كانت تُسيطر عليها الكتابات الهابطة، القائمة على تصوير العاطفة الجسدية، وإظهار الرغبات بطريقة حِسِّيَّة (Erotic) أو حتى عنفية (باستثناء كتابات خوسيه ريفيرا وآخرين)، متجاهلة قضايا الفقراء، وصراع أميركا الجنوبية من أجل “الاستقلال الحقيقي”.
جاء غابرييل ماركيز ليُكرِّس نموذجًا مختلفًا للأديب الكولومبي، حين تجاوز كل تلك الكتابات، ليطرح القضايا المركزية في رواياته الأدبية، ويُطَرِّزها بمواقفه ورسائله لصالح الناس والبسطاء، مع العلم أن ماركيز لم يكن محتاجًا للمال، فرواية واحدة له، وهي “مئة عام من الوحدة” بِيْعَ منها 30 مليون نسخة في أنحاء العالم.
وعلى الرغم من معتقدات ماركيز الثورية، إلاَّ أن علاقاته تجاوزت كل التفصيلات في حياة البشر، والتي يعيش في جلبابها كثيرون. ففي الوقت الذي جمعته علاقات بالزعيم الكوبي فيدل كاسترو، والشاعر التشيلي بابلو نيرودا، فإنه أيضًا كانت بينه وبين الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، والممثل والمخرج الأميركي روبرت ريدفورد مراسلات. كان ماركيز شخصية “كونية” لا تُوقفها التفاصيل، على الرغم من أنه “سيِّد التفاصيل” حين يكتب نَصَّه، مُحافِظًا على أهم علاقاته الاجتماعية: الفقراء.
عندما فاز بجائزة نوبل عام 1982م خَصَّص أموالها لإنشاء صحيفة في كولومبيا، لدعم صداقته مع الفقراء، وتبني قضاياهم. وعندما رَحَل، حَذَت زوجته مرسيدس بارشا ذات النهج، حين تبرَّعت بمجموعة كتبه الشخصية (أكثر من 3 آلاف كتاب) إلى مكتبة عامة في كولومبيا، ولم تذهب بهم إلى مزادات علنية لجني المال، كما نراه مع العديد من المشاهير وحاجياتهم، من مناديل، وسراويل، وقفازات وغيرها.
عاش ماركيز ورحل دون أن يبتعد عن الناس، على الرغم من شهرته التي اخترقت كل الحدود، برواياته التي اشتراها الملايين من الناس حول العالَم. فهو في جوهره لم يكن ثريًّا، بل فقيرًا يملك مالاً. هكذا عَرَّف العَم ليو في روايته الحب في زمن الكوليرا، وأظن أنه قَصَدَ بذلك نفسه إلى حَدٍّ ما.
كاتب بحريني