العدد 6384
الثلاثاء 07 أبريل 2026
تربية القسوة
الثلاثاء 07 أبريل 2026

يقول ديفيد تومكينز - وهو تاجر سلاح، ومرتزق سابق - بأنه ذَهَبَ بمعية كوستاس جورجيو المعروف بـ العقيد كالان - وهو أيضًا مرتزق - ومعهم مجموعة من المقاتلين إلى خبازٍ بإحدى القرى التي كانوا يقاتلون فيها بجمهورية أنغولا (غرب أفريقيا). أحضر صاحب التنور للمقاتلين الخبز الذي طلبوه، فما كان من العقيد كالان إلاَّ أن قام بإطلاق النار على ذلك الخباز المسكين بطلقات من قاذفة قنابل إم 79 فأرداه قتيلًا في الحال.
سأل تومكينز العقيد كالان عن الهدف من فِعْلَتِه تلك، بحق عامل ساعدهم في الحصول على الطعام، فَرَدَّ ذلك المرتزق، صاحب القلب الميِّت، أنه فَعَلَ ذلك ليرى كيف يعمل السلاح الذي يحمله؛ لأنه لم يكن قد استخدمه من قبل، وأراد أن يرى قوة الضرر الذي يمكن أن يُحدثه في الخصم! لنا أن نتخيَّل هذه الغريزة الذِئبيَّة في هذا الكائن.
إذا ما أخذنا تلك الحادثة ضمن سياق “التوظيف السياسي” للمرتزقة من قِبَل قوى سياسية أنغولية (أفريقية) وعالمية (استعمارية)، فإن ريتا لورا سيجاتو، عالِمَة الأنثروبولوجيا الأرجنتينية تجيب على ذلك، من خلال نشاطها المناهض للاستعمار. هي تُفسِّر هذا النوع من التَّبَلُّد في المشاعر، بأنه ينتج بسبب إفراغ العلاقات الاجتماعية من العاطفة، وتحويلها إلى معاملات قائمة على المنفعة، والمصلحة، والتسليع، وهو أهم سلوك للرأسمالية التي تعتمد على تطبيع الغزو والاستيلاء والنهب، لكن أساس ذلك السلوك سابق على “توظيفه”، ويُفسِّره علم النفس بطريقته، ففي كثير من الأحيان يُصاغ بعض الرجال في نظام تُكتَسَب فيه الذكورة، ويُحافَظ عليها من خلال العنف، وتجفيف العلاقة من العاطفة.


فالبشر لا يُولدون قساةً، لكنهم يتدربون على قبول القسوة. ومع التكرار، لا يعودون يستوحشونها، ولا يرون فيها صدمة لهم، أو حتى ضجيجًا يُقلق السَّكينة في نفوسهم كما تقول الدراسات.
بل الأكثر من ذلك، فإن الدراسات الحديثة باتت تحذِّر من القسوة حتى في معاملة الحيوانات؛ لأنها تُفضي لاحقًا إلى سلوكيات خطيرة، بدءًا من التنمر المدرسي، وجنوح الأحداث، وصولاً إلى جرائم البالغين، والعنف الأسَري. فإحدى الطرق التي يتعلم بها المرء القسوة هي توجيه غضبه نحو هدف آمن كالحيوانات الصغيرة، ثم يتصاعد ذلك السلوك إلى أن يصل للبشر، مَهِيْضِي الجانب.
لذلك، تجنب القسوة لا يمكن أن يتم بدون مَقْتِها، ورفضها في الحديث والسلوك مع الآخرين، وإلاَّ فإنك تُربِّي وحشًا بين أضلعك.

كاتب بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية