يتحدث الكثير عن التقدم العلمي، عن كنوز الحضارة، عن نهضة الأمم، وهذا حق للبشرية جمعاء أن تتقدم علميًا، أن تتألق إنسانيًا، أن تفي باحتياجات الشعوب، وتنتج ما يكفيهم من العلوم والابتكارات، وكل ما يجعلهم مكتفين ذاتيًا بمواردهم الطبيعية، ومنتجاتهم الضرورية، وتعليمهم الاستباقي المقنن.
التقدم العلمي في الماضي كان يعتمد على نظرية إعجازية، أو على صدفة كالتي حولها أرخميدس إلى نظرية أطلق عليها قانون الطفو، الذي طفا فوق شعار شهير: “وجدتها.. وجدتها”، أو “يوريكا.. يوريكا”. التقدم العلمي المعاصر لم يعد يقتنع حتى بقانون الجاذبية، ولا بنظرية الأواني المستطرقة، رغم أن كل هذه النظريات وغيرها هي التي وضعت أسس التفكير التي قادت إلى الثورة الصناعية، وإلى النهضة الأوروبية، وإلى التقدم الياباني الهائل، وذلك الذي أطلق عليه “ماو تسي تونج”، بعد ثورته الثقافية، بنمط الإنتاج الآسيوي.
التقدم العلمي اليوم يعتمد على شيطنة العلوم والفنون والآداب، على إدخال التقنيات المعاصرة، والذكاء الاصطناعي التوليدي، وتطبيقات “الشات جي بي تي”. التقدم العلمي اليوم لا يعتمد بالضرورة على الإنسان، رغم أنه يستهدفه، يعتمد على ضغطة زر، أو بصمة عين، أو نظرة موحية من بعيد. التقدم العلمي اليوم حالة شيطانية خاصة، قد لا تقود بالضرورة إلى كشف علمي أو أثري أو فكري، بقدر ما تقود إلى كل ما يسهل على الإنسان حركته، وإلى كل ما يقلل خسائره في الوقت، والتجارة، والمواصلات، والطب، والزراعة، والصناعة، وعلوم الفضاء، وشتى مناحي الحياة.
التقدم العلمي في بلادنا تحول إلى سلعة مستوردة، شأنه في ذلك شأن تجارة العدد اليدوية، والخضروات، والفواكه، والمعادن النادرة. التقدم العلمي أصبح له بورصة تقودها شركات التكنولوجيا، وتتحكم في أسعار أسهمها مافيا صناع السوق، وعصابات المضاربات المحمومة. التقدم العلمي لمن لا ينتجه، والتقنية الفارقة، والحوسبة الرقمية، والعلوم السحابية، إن لم ننتجها، فإننا سوف نتحول إلى أمة في ذيل الأمم، وإلى بلدان فاقدة لشخصيتها وهويتها واستقلالها الوطني.
لذلك طالبنا مرارًا وتكرارًا أن نضاعف ميزانيات البحث العلمي، وأن نطور من مراكز البحوث في جامعاتنا، ومعامل التدريب في معاهدنا، وكتائب التبادل البحثي والتعاون العلمي في هيئاتنا ومجالسنا القومية للبحث العلمي والاجتماعي، وأن يصبح لدينا مراكز على هذا النسق العالمي المتقدم، حتى نستطيع اللحاق بالأمم التي لحقتنا، والدول التي كانت خلفنا وسبقتنا. وحتى نبدأ، لا وقت لدينا للانتظار، ولا أمل في أمة لا تنتج ما تحتاج، ولا تأكل مما تنتج.
* الرئيس المؤسس رئيس مجلس أمناء الجامعة الأهلية