ما إن أعلنت الهدنة عن نفسها، حتى عاد مطار البحرين الدولي إلى الإقلاع من مقره المهيب في المحرق الفتية، وعادت معه الحياة.
ما إن بدأت بشائر السلام ترفرف في سمائنا، وحمامات التوافق “شبه المستحيل” إلى الفرقاء في تلك الحرب الضروس، حتى أثبتت مملكة البحرين كعادتها بأنها جاهزة لمواجهة التحدي، بل والانتصار عليه.
لم تكن العمليات العسكرية أو تأثير مضيق هرمز على سلاسل إمدادات السلع والموارد الاستراتيجية بعائق أمام رجالنا الأشداء في الشارع التجاري، شأنهم في ذلك شأن قوات الدفاع الجوي البواسل، بل وكافة أفراد قوة الدفاع ورجال الأمن في كل أنحاء المملكة.
كان الجميع بتوجيهات سديدة من القيادة الحكيمة والحكومة الرشيدة على قلب رجل واحد، الكل كان مستعدا لـ “اليوم التالي”، لاقتصاد ما بعد الحرب، تمامًا مثلما كانوا مستعدين لاقتصاد الحرب، سلسلة توريد المواد الغذائية والدوائية والمياه ومختلف الأدوات الضرورية للمواطن والمقيم كانت متوفرة وبأسعار في المتناول رغم تخطي القليل منها وغير الأساسي الحاجز الأعلى تحت هذا الظرف الاستثنائي العصيب.
تم فتح المطار بما له من دور أساسي في حياة سكان الجزر وأشباه الجزر، عادت إليه الحياة بعد أكثر من خمسة أسابيع من التعطل التام، وعادت حركة السفر نشطة عفية تحمل الملايين من وإلى المملكة الحبيبة البحرين، تمت إعادة تشغيل المطار بكامل وحداته الضرورية وممراته العفية لكي يقول للعالم كله أننا جاهزون لاستقبالكم، ومرحبون بقدومكم، ومستعدون لتقديم الغالي والنفيس من أجلكم.
مطار البحرين عاد إلى الحياة أو عادت إليه الحياة كشريان كامل التدفق بالسياح والزائرين والراغبين في الاطلاع على البحرين بعد وأثناء الحرب، وكيف أنها كانت متلألئة تحت القصف، صامدة في وجه الخطر، حية رغمًا عن أنف تجار الموت.
مطار البحرين الدولي كان وسيظل هو همزة الوصل الذهبية بين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، همزة وصل تؤكد بل وتترجم أهمية موقع البحرين المثالي كمركز مالي ومصرف عالمي في المنطقة، المطار الدولي كما هي الأنشطة المالية والقانونية والاستثمارية التي نهضت من تحت القصف لتجد ما هو قابل للحياة على أرض الخلود، لتعثر على مفتاح السر في مركز الاقتصاد والتجارة العالمي على مر السنين، ترانزيت وصيرفة ودولة قانون وتحكيم تجاري وغرفة تجارة ومؤسسات دولة، جميعها.. جميعها كانت جاهزة لاستقبال أيام الهدنة على الرحب والسعة، بالأمل والإعداد لما هو قادم، بالتخطيط السليم والرؤى الثاقبة والمشاريع الاقتصادية البازغة، “حزمة أحلام” في الطريق إلى كل من يأتي عبر مطار البحرين الدولي أو جسر الملك فهد لكي يفتش عن ربع فرصة يكتسي من خلالها بالإنجاز وقبول التحدي والربح الوفير. ليس ذلك شعارًا أو لافتة على جدار، ليست تلك بقايا تغريدة على صفحة إلكترونية عابرة أو من سرب حمام سيظل دائمًا قابلاً للحياة وحفظ السلام.
مطار البحرين الدولي مرفأ اقتصادي له تاريخ في النهوض بقوة وسرعة تفوق ضجيج المسيرات، وزئير الصواريخ، كلها تكاتفت من أجل أن تعيد للبحرين رونقها المستحب، وحضورها الطاغي، ومكانتها العذبة، كلها تآلفت لكي تبعث برسالة شديدة المحبة لكل من يهمه الأمر، أن شعبنا وأن بلادنا قادرة دائمًا على النهوض بأقصى سرعة من تحت شظايا العدوان، وأن بلادنا وشعبنا خلف قادتنا تحملوا كل ما يمكن أن يعين على عودة النشاط الاقتصادي بكفاءة، والأداء الشعبي الملحمي بكل تألق وقابلية وعشق للحياة.
مطار البحرين الدولي سيظل رمزًا للصمود في وجه العدوان، تمامًا مثلما هو كذلك على طريق الإقلاع بالوطن نحو النماء المستدام.
* كاتب بحريني