لم تكن دراسةً بالمعنى الأكاديمي الصارم، ولا إحصائيةً محكومة بالجداول والأرقام، بل كانت أقرب إلى نبضٍ إنسانيٍ خالص، محاولة بسيطة لأن أصغي إلى جيلٍ لا يجيد التجميل، ولا يعرف كيف يزيّف الحقيقة. سألتُ مجموعة من الأطفال، من جيل المستقبل في مملكة البحرين، عن كل ما يحدث حولهم، عن الضجيج الذي يملأ الأخبار، عن التوتر، عن الحديث المتكرر عن ضربات وتهديدات. لم أطرح السؤال بصيغةٍ معقّدة، بل تركته عفويًّا كما ينبغي أن يكون حين يُوجَّه إلى قلوبٍ صغيرة لم تتلوث بعد.
تحدثوا.. كلٌ بأسلوبه البسيط، بكلماتٍ متعثرة أحيانًا، وصادقة دائمًا. بعضهم لم يفهم التفاصيل، وبعضهم خلط بين ما يسمعه في البيت وما يراه في الشاشات، لكنهم جميعًا كانوا يحاولون أن قول شيء واحد.. أكبر من أعمارهم. ثم جاءت اللحظة التي لم أكن أتوقعها.
رغم اختلافهم، رغم عفويتهم، رغم بساطة لغتهم.. اتفقوا جميعًا على جملةٍ واحدة، تكررت بأشكالٍ مختلفة لكنها حملت المعنى ذاته: “البحرين قوية.. ورجال أمننا أقوياء.. لن يتركونا”. هنا فقط، أدركت أنني لست أمام إجابات أطفال.. بل أمام حقيقة وطن.
أي قوةٍ هذه التي تُزرع في قلوب الصغار، قبل أن تُكتب في تقارير الكبار؟ وأي ثقةٍ تلك التي لا تحتاج إلى خطابٍ رسمي، لتسكن في وجدان طفل؟ الأطفال لا يجاملون.. ولا يخضعون لتحليلاتٍ سياسية، ولا يقرأون البيانات. هم يقولون ما يشعرون به فقط. وما شعروا به كان طمأنينةً لا تُشترى، وإيمانًا لا يُفرض.
في زمنٍ تتضخم فيه الشائعات، وتعلو فيه أصوات التهويل، كان صوت الأطفال أكثر اتزانًا من كثيرٍ من الكبار. لم يتحدثوا عن الخوف، بل عن الأمان. لم يكرروا لغة التهديد، بل اختصروا المشهد في ثقةٍ راسخة: هناك من يحميهم.. وهناك وطن لا يُخذل.. وهنا تكمن القصة.
ليست في الصواريخ التي تُذكر في الأخبار، ولا في التحليلات التي تتسابق في تفسيرها، بل في تلك الجملة الصغيرة التي خرجت من أفواه الصغار، وكأنها بيانٌ غير مكتوب: “نحن بخير”.
هذا الجيل الذي نخشَى عليه من ضجيج العالم، يبدو أنه أكثر هدوءًا منا. وهذا المستقبل الذي نقلق بشأنه، يحمل في داخله يقينًا لا يتزعزع.
لقد علّمنا الأطفال درسًا لم نتعلمه بعد:
أن الأوطان لا تُقاس فقط بما تواجهه من تحديات، بل بما تزرعه من طمأنينة في قلوب أبنائها. وفي البحرين.. يبدو أن الطمأنينة تُورَّث، كما يُورَّث الحب.
قد تختلف الروايات، وقد تتباين التحليلات، لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن وطنًا ينام أطفاله وهم يرددون بثقة: “لن يتركون..”، هو وطنٌ يعرف تمامًا كيف يكون قويًّا.
ولعل الضجة الحقيقية التي يجب أن نلتفت إليها، ليست في صوت التهديد، بل في هذا الصوت الصغير، الصادق، الذي قال كل شيء دون أن يقصد.
بكل فخرٍ وامتنان، نقف احترامًا لحماة الوطن، لأولئك الذين يسهرون لننام، ويقفون بثباتٍ لتبقى البحرين آمنة مطمئنة. رجالٌ وقادة لم يجعلوا الخوف يصل إلى قلوب أطفالنا، بل زرعوا فيها يقينًا لا يتزعزع بأن هناك من يحميهم ولن يخذلهم. شكرًا لكم، لأنكم لستم فقط درعًا للوطن، بل طمأنينة تسكن في صدور أبنائه.
كاتبة بحرينية