العدد 6380
الجمعة 03 أبريل 2026
حين يُطعَن الوطن من خاصرته... الخيانة التي لا تُغتفر
الجمعة 03 أبريل 2026

ليست الخيانة مجرد فعلٍ عابرٍ يُرتكب في لحظة ضعف، ولا هي زلّة تُغتفر تحت ضغط الحاجة أو الخوف؛ الخيانة اختيارٌ واعٍ، وانحيازٌ صريح إلى الظل في مواجهة النور، وإلى الهدم في وجه البناء. وحين تكون الخيانة موجّهة ضد الوطن، فإنها تتحول من خطيئة فردية إلى جريمة أخلاقية وتاريخية لا يمحوها الزمن.

الوطن ليس قطعة أرضٍ فحسب، بل ذاكرة حيّة، ووجوهٌ أحببناها، وأيادٍ امتدت لنا بالعطاء دون حساب. هو المدرسة الأولى، والمأوى الأخير، والهوية التي نحملها أينما ذهبنا. لذلك، فإن أعظم ما يقدّمه الوطن لأبنائه ليس فقط الأمن والرزق، بل الشعور بالانتماء، ذلك الشعور الذي لا يُشترى ولا يُستبدل.

لكن، وفي لحظاتٍ فارقة من تاريخ الأمم، يظهر أولئك الذين يختارون أن يكونوا خارج هذا العقد المقدّس. إنهم أفرادٌ باعوا انتماءهم، ونسجوا خيوطًا خفيّة مع قوى لا ترى في أوطانهم إلا ساحات نفوذ ومشاريع هيمنة. يتوارون خلف أقنعةٍ متعددة: شعارات، ادعاءات، أو حتى مظلومية زائفة، بينما في الحقيقة يمارسون أخطر أنواع الخيانة: خيانة الثقة.

إن أخطر ما في هذه الشبكات ليس فقط ما تفعله، بل ما تمثّله. فهي لا تستهدف منشآت أو معلومات فحسب، بل تضرب في العمق: في وحدة المجتمع، في الثقة بين أفراده، وفي يقين الناس بأن وطنهم خط أحمر لا يُمس. وعندما تمتد الأيدي الخفية لتمزيق هذا النسيج، فإنها لا تهدد الحاضر فقط، بل تحاول إعادة تشكيل المستقبل على أسسٍ هشة. 

وفي مواجهة ذلك، لا يكفي الغضب، ولا تُجدي العاطفة وحدها. المطلوب وعيٌ عميق، يُدرك أن حماية الوطن لا تقتصر على الحدود، بل تبدأ من الداخل: من الكلمة، ومن الموقف، ومن القدرة على التمييز بين النقد الصادق والهدم المتعمّد. فالوطن القوي ليس الذي يخلو من التحديات، بل الذي يملك شعبًا يرى الحقيقة بوضوح، ولا ينخدع بالأقنعة.

لقد احتضن هذا الوطن أبناءه دون تمييز، وفتح أبوابه للفرص، ووقف سندًا في الأزمات. ومن ينقلب على هذا العطاء، لا يسيء إلى الدولة فحسب، بل يطعن في كل يدٍ امتدت له يومًا، وفي كل لحظة أمان عاشها تحت سمائه. تلك خيانة لا تُبرَّر، ولا تُجمَّل، ولا يُمكن أن تُفهم خارج إطارها الحقيقي: خيانة للوطن والضمير معًا.

وفي مثل هذه اللحظات، تتجلّى معادن الشعوب. فإما أن تنكسر تحت وطأة الخوف والتشكيك، أو أن تزداد صلابةً والتفافًا حول قيمها. والتاريخ يخبرنا أن الأوطان التي تُحسن قراءة التحديات، وتواجهها بوحدة الصف ووضوح الرؤية، تخرج منها أقوى وأشد رسوخًا.

إن الوطن لا يطلب الكثير، فقط أن نكون له كما كان لنا. أن نحميه بوعينا قبل سواعدنا، وأن نصونه بإخلاصنا قبل شعاراتنا. فالأوطان لا تسقط من الخارج فقط، بل تبدأ سقوطها حين يُفتح الباب للخيانة.

*كاتبة بحرينية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .