العدد 6346
السبت 28 فبراير 2026
ما لم يقله الشعلة
السبت 28 فبراير 2026

قد يكون السكوت علامة على كل الكلام، والصمت الرهيب مقدمة في غاية التوحش إيذانًا بحدث كبير منتظر، أو بموقف فائق على الطريق. هكذا يمكن أن نستشف من السكوت، وهكذا يمكن أن يقودنا الصمت الرهيب، لكن المشكلة ماذا لو كان الكلام يدل على كل الكلام؟ وماذا لو كان الوضوح يخفي غموضًا في أعماق الوجدان؟ 

قد يكون الخجل مفتاحًا لفرج قريب، أو لرؤية أكثر وضوحًا من تلك التي تراءت أمامي وأنا أجري هذا الحوار مع رئيس مجلس إدارة “البلاد” الأستاذ عبدالنبي عبدالله الشعلة، ما الذي يا ترى أخفاه الشعلة بمنتهى المهارة والاحترافية؟ كيف تخلص من رغبتي المحمومة في طرح مزيد من الأسئلة، ومزيد من الاستفهامات، ومزيد من الذكريات؟

بكل تأكيد، لقد تعودت عند تعاملي الصحافي مع “الرجل الاستثنائي” أبي مشعل، أن يفتح عقله وقلبه لي، بل ليس لي وحدي وإنما للرأي العام بكل تناقضاته وتعدد وتنوع فئاته واختلاف رؤاه. لقد واصل الرجل مسيرته في أكثر الوزارات جدلًا وشعبوية خلال مرحلة فارقة من تاريخ بلادنا وهي وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، حيث المتتبع للمرحلة يستطيع أن يضع يديه على ملفات في غاية الحساسية، من أهمها وأخطرها قضية البطالة. قبله لم تكن لدينا معلومات عن نسبتها، ولا بيانات واضحة عن الفئات التي تعانيها، وعندما آلت إليه هذه الحقيبة المثقلة بالقضايا والتحديات، أبى ألا أن يقبل بالمسؤولية، وأن يكون صريحًا وواضحًا أمام الرأي العام، وأن يضع كل الفئات والوزارات ذات العلاقة أمام مسؤولياتها من أجل إيجاد حل جذري لهذه المشكلة المزمنة.

كل ذلك وأكثر تمت مواجهته من خلال الوزير الشعلة، لم يخشَ في الحق لومة لائم، ولم يفتِ بغير علم طوال ممارسته للعمل التنفيذي حيث اعتمد المعلوماتية ذراعًا قويًّا ومساعدًا رشيدًا له على طول الطريق.

حتى عندما كان عضوًا بمجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة البحرين، حاول قدر طاقته، ووفقًا للصلاحيات الممنوحة له كمتحدث رسمي باسم الغرفة ورئيسًا للجنة العلاقات العامة والإعلام، أن يقنع مجلس الإدارة العريق بضرورة الانفتاح أكثر على الصحافة؛ حيث إن ما يصل لها من معلومات، لم تكن من مصادرها، قد يعوق مسيرة هذا القطاع الاقتصادي الحيوي. عدد من أعضاء المجلس تفهموا رؤية السيد الشعلة، وعدد آخر قاوموه بل حاربوه ووضعوه في مواقف محرجة عندما تضاربت التصريحات عن قضية تجارية ما أو عن وضع مختلف عليه داخل الجهاز الإداري للغرفة.

رغم ذلك، ظل الرجل مؤمنًا بفكرته: أن يكون الباب مفتوحًا على الدوام أمام ممثلي الرأي العام؛ حتى لا يعطي انطباعًا بأن لدينا أخطاء نحاول التغطية عليها، وأن هناك قضايا لم يتم البت فيها نتيجة لضعف الجهاز الإداري وغياب اللجان الفاعلة.

وها أنا اليوم أمام الحقيقة كلها، بعد نحو ربع قرن من ترك “الشعلة” لموقعه في “الكيان التجاري” العريق، بل وبعد أن خرج من العمل الوزاري وعاد إلى صفوف مهنة المتاعب التي بدأ حياته بها ولم ينفصل عنها أبدًا، سواء عندما كان تاجرًا أو شوريًّا أو وزيرًا.

اليوم وبعد سنوات بعيدة من الحدث الأم، وهو انتخابات أول مجلس إدارة شاهدتها وساهم فيها “الرجل” في مارس من العام 1983، حاولت أن أعود معه إلى الوراء، إلى مخازن الذاكرة والأيام الجميلة، جاهدت قدر الإمكان لإخراجه من حالة “التحفظ” التي انتابته، والريبة التي لم تدخل حياته قط، حاولت أن أحصل على الثقة الكاملة منه في أن أنشر ما يدلي به عفويًّا وارتجاليًّا ومن دون تردد أو خوف، تمامًا مثلما مارست عملي الصحافي الذي تعودنا عليه متخليًا عن ترددي، ومسمّيًا الأشياء بأسمائها الحقيقة.

رغم ذلك، لم يشف غليلي كصحافي، ما كان ينبغي عمل كشف حساب دقيق له، أداء “غرفة البحرين” خلال دورة كاملة مضت، ووضعها ما بين الغرف الخليجية، وإذا ما كانت قد تطورت أم أنها مازالت تلعب أدوارًا هامشية في الحياة التجارية للبلاد، وهل تغيرت نظرة المجتمع للتاجر؟ أم أن صورة التاجر مازالت على حالها تعاني التشويه واللاإنصاف والإنكار لدور حركة التجارة في تنشيط الوضع الاقتصادي؟ ودور غرفة البحرين في علاج العديد من المشكلات الاقتصادية التي تتصدرها تلك المرتبطة بالإنفاق الحكومي والمديونية العامة، والتضخم والركود، وأسعار الفائدة، وغيرها من المشكلات التي لم تضع “الغرفة” لها حدًّا أو تصورًا أو مشروعًا للحلحلة.

كل ذلك بقي على حاله، الصورة مثلما كانت، والمشاهد كلها بدت مثلما لو أنها تبدلت.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية